بقلم : ماريا معلوف
في الحروب التقليدية كانت الدول تستهدف الموانئ والمطارات ومحطات الطاقة والبنى التحتية الحيوية. أما في حروب القرن الحادي والعشرين، فقد تغيرت طبيعة الأهداف نفسها. لم تعد المواجهة تدور حول تدمير الأصول المادية فقط، بل حول استهداف البيئة المعنوية التي تمنح تلك الأصول قيمتها الاستراتيجية. فالدولة التي تفقد ثقة المستثمرين والشركاء والأسواق قد تتعرض لضرر عميق حتى من دون أن تخسر متراً واحداً من أراضيها.
من هنا تبرز ما يُعرف بـ”حروب الجيل الخامس”، حيث تتحول المعلومات إلى أداة نفوذ، والمنصات الرقمية إلى ساحات مواجهة، والسمعة الوطنية إلى هدف استراتيجي لا يقل أهمية عن أي موقع عسكري أو اقتصادي.
ضمن هذا المشهد، تبدو الإمارات واحدة من أكثر النماذج دلالة على طبيعة التحول الجاري في مفهوم القوة. فالحملات المنظمة التي تستهدف الدولة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد موجات تشويه إعلامي أو خلافات سياسية عابرة، بل باعتبارها جزءاً من صراع أوسع يدور حول المكانة والنفوذ والقدرة على التأثير داخل بيئة إقليمية ودولية تعاد صياغتها بصورة متسارعة.
فالخطأ الشائع هو الاعتقاد أن الإمارات تُستهدف لأنها حققت نجاحات اقتصادية وتنموية فقط. أما القراءة الأعمق فتشير إلى أن الاستهداف يرتبط بموقع الدولة داخل هندسة القوة الجديدة في الشرق الأوسط.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين موازين القوة وهندسة القوة.
موازين القوة تتعلق بما تملكه الدول من موارد وقدرات عسكرية واقتصادية. أما هندسة القوة فتتعلق بالموقع الذي تشغله الدولة داخل الشبكات التي تنظم حركة تلك الموارد والقدرات. قد تمتلك دول ثروات هائلة، لكنها تبقى محدودة التأثير إذا بقيت خارج الشبكات الرئيسية التي تتحكم بالتجارة والاستثمار والتكنولوجيا. وفي المقابل، قد تتحول دولة أخرى إلى لاعب محوري لأنها أصبحت نقطة التقاء للتدفقات التي تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة على المستوى الإقليمي والدولي.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم التجربة الإماراتية.
فخلال العقدين الماضيين، لم تبنِ الإمارات نفوذها عبر أدوات القوة التقليدية وحدها، بل عبر بناء موقع مركزي داخل شبكات الحركة العالمية. الموانئ العملاقة، والمناطق الاقتصادية، وشبكات الطيران، والمراكز المالية، والاستثمارات العابرة للقارات، والدبلوماسية النشطة، ليست مشاريع منفصلة، بل أجزاء من بنية استراتيجية واحدة جعلت الدولة عقدة رئيسية في حركة التجارة ورأس المال والتكنولوجيا والمعرفة.
وهنا تكمن نقطة جوهرية كثيراً ما يتم تجاهلها.
فحين تتحول الدولة إلى عقدة استراتيجية، فإن استهدافها لا يعود مرتبطاً فقط بما تفعله، بل بما تمثله. تصبح جزءاً من البنية التي يمر عبرها النفوذ نفسه. ولذلك فإن الحملات الرقمية التي تستهدف الإمارات لا تسعى فقط إلى إنتاج ضجيج إعلامي مؤقت، بل إلى التأثير في الثقة التي تمنح هذه العقدة قدرتها على العمل والتأثير.
ولأن الثقة أصبحت أحد أهم مصادر القوة الحديثة، تحولت السمعة الوطنية إلى أصل استراتيجي لا يقل أهمية عن البنية التحتية المادية. المستثمر لا يقرأ الأرقام فقط، بل يقرأ الاستقرار والقدرة على التنبؤ بالمستقبل. والشركات العالمية لا تختار مواقعها بناءً على الحوافز الاقتصادية وحدها، بل على البيئة المؤسسية ومستوى الثقة. وحتى النفوذ الدبلوماسي بات مرتبطاً بقدرة الدولة على بناء مصداقية طويلة الأمد لدى الأطراف المختلفة.
من هنا يمكن فهم طبيعة الحملات التي تعتمد على مواقع الظل، والحسابات الوهمية، وشبكات البوتات، والسلوك الزائف المنسق. فهذه الأدوات لا تستهدف الوقائع بقدر ما تستهدف الإدراك. إنها تحاول صناعة واقع بديل يسبق الواقع الحقيقي، ويؤثر في طريقة تفسيره.
لكن هناك بعداً أعمق من ذلك كله.
فالصراع الدائر حول الإمارات ليس صراعاً على السياسات فقط، بل هو في جانب منه صراع على النموذج الإقليمي ذاته. ففي منطقة عانت لعقود من الاستقطاب والأزمات والصراعات، قدمت الإمارات نموذجاً مختلفاً يقوم على ربط الاستقرار بالتنمية، والانفتاح الاقتصادي ببناء المؤسسات، والحضور الدولي بالقوة الناعمة والدبلوماسية الفاعلة. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا النموذج تجربة محلية فحسب، بل أصبح أحد النماذج المؤثرة في النقاش الإقليمي حول مستقبل الدولة والتنمية والحوكمة.
ولهذا فإن بعض حملات التشويه لا تستهدف قراراً سياسياً بعينه، بل تستهدف النموذج الذي ينتج هذا القرار. فالصراع على النفوذ في الشرق الأوسط لم يعد يدور فقط حول الجغرافيا أو التحالفات، بل أيضاً حول أي النماذج يمتلك القدرة على اكتساب الشرعية والاستمرار والتأثير.
وإذا كانت هذه هي طبيعة الصراع، فإن ما يميز الإمارات هو أنها لم تتعامل معه بعقلية رد الفعل. فبدلاً من الانجرار إلى معارك استنزاف إعلامية، تبنت الدولة مقاربة أكثر عمقاً تقوم على حماية بيئة الثقة نفسها. لذلك كان التركيز على الشفافية، وسرعة تدفق المعلومات الرسمية، وتعزيز الشراكات مع شركات التكنولوجيا لرصد الشبكات التي تمارس السلوك الزائف المنسق، إلى جانب الاستثمار طويل الأمد في الوعي المجتمعي ومفهوم المواطنة الرقمية.
لكن الرد الأكثر تأثيراً بقي دائماً في الواقع نفسه.
فعندما تتصدر الدولة مؤشرات الأمان العالمية، وعندما ترتفع قيمة هويتها الإعلامية الوطنية إلى أكثر من 1.223 تريليون دولار، وعندما تواصل تسجيل نمو تاريخي في تجارتها الخارجية غير النفطية، فإن هذه المؤشرات لا تمثل نجاحات منفصلة، بل تعكس استمرار الثقة الدولية في نموذج الدولة ومؤسساتها وقدرتها على إنتاج الاستقرار والنمو.
وهنا نصل إلى التحول الأكبر الذي يشهده العالم اليوم.
ففي الماضي كانت السيادة تُقاس بقدرة الدولة على حماية حدودها. أما اليوم، فأصبحت تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية التدفقات التي تعبر تلك الحدود؛ تدفقات المال، والبيانات، والتكنولوجيا، والاستثمار، والمواهب. لقد انتقل العالم تدريجياً من سيادة الأرض إلى سيادة التدفقات، ومن السيطرة على الجغرافيا إلى إدارة الشبكات.
وفي مثل هذا العالم، لا تصبح حماية السمعة الوطنية مسألة إعلامية، بل جزءاً من منظومة الأمن القومي الشامل. ولا يعود استهداف الثقة مجرد حملة تشويه، بل محاولة للتأثير في موقع الدولة داخل الشبكات التي تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والنفوذ.
لذلك فإن ما يبدو أحياناً مجرد حملات تضليل أو معارك إلكترونية متفرقة، هو في الحقيقة انعكاس لتحول أعمق في طبيعة القوة العالمية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الموارد أو الجغرافيا، بل على المواقع التي تشغلها داخل شبكات التجارة والتكنولوجيا والمعرفة. ومن هنا، فإن استهداف الإمارات لا يعكس حجم الخصومة معها بقدر ما يعكس حجم الدور الذي أصبحت تؤديه داخل الشرق الأوسط الجديد؛ شرق أوسط تُرسم ملامحه عبر الممرات والشبكات والتدفقات بقدر ما تُرسم عبر الخرائط التقليدية.
وفي هذه المعادلة تحديداً، تبدو الإمارات نموذجاً لدولة أدركت مبكراً أن الدفاع عن المكانة لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحدود، وأن الثقة في عصر الشبكات أصبحت أحد أهم مصادر القوة السيادية في القرن الحادي والعشرين.













