بقلم عيد المجيد حسن
أشار المؤرخ والمفكر الاستراتيجي إدوارد لوتواك، خلال حديثه مع برنامج الكابيتول الذي تقدمه الإعلامية ماريا معلوف مديرة معهد الكابيتول للدراسات واشنطن، إلى أن تحقيق السلام لا يرتبط فقط بتوقيع اتفاقيات، بل بتوافر ظروف داخلية حقيقية تتيح ذلك، مُضيفاً أن لبنان يمتلك طاقات بشرية كبيرة، خصوصًا في مجال الذكاء والتعليم، ما قد يؤهله للاستفادة سريعًا من التكنولوجيا الحديثة في حال انفتحت حدوده. وانتقد ضعف دور الجيش اللبناني، معتبرًا أن غياب الفعل العسكري الفعّال ساهم في استمرار الأزمات.
ووصف إدوارد لوتواك، حزب الله بأنه أداة تخدم المصالح الإيرانية، وليس اللبنانية، معتبرًا أن تحرر لبنان مرهون بتوافق داخلي واسع يشمل مختلف الطوائف لمواجهة هذا النفوذ. كما فرّق بين الحركات الشيعية، مشيرًا إلى أن بعض القوى، مثل حركة أمل، كانت تركز على تحسين أوضاع اللبنانيين، بخلاف قوى أخرى ذات ارتباطات خارجية، وشدد على أن تحقيق الاستقلال الكامل يتطلب جهودًا داخلية وتضحيات من مختلف مكونات الشعب.
وعلى صعيد العلاقات الدولية، اعتبر لوتواك أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تدخل ضمن إطار صراع اقتصادي وسياسي، مشيرًا إلى أن العقوبات المفروضة على طهران، خاصة فيما يتعلق بتصدير النفط، تمثل عامل ضغط كبير على الاقتصاد الإيراني. ولفت إلى أن اعتماد إيران شبه الكامل على عائدات النفط يجعلها عرضة للاختناق الاقتصادي في حال استمرار القيود.
وتناول قرار منظمة أوبك، مبرزًا أن توجه بعض الدول مثل الإمارات العربية المتحدة نحو تقليل الالتزام بقيود الإنتاج يعود إلى اعتبارات اقتصادية بحتة، نظرًا لانخفاض تكلفة استخراج النفط لديها، ما يجعل تقليص الإنتاج خيارًا مكلفًا. وأضاف أن الطموح الاقتصادي والسياسي للإمارات يدفعها إلى اتخاذ قرارات مستقلة، حتى وإن أثارت توترًا مع دول أخرى في المنطقة.
وفي حديثه عن التكنولوجيا، أشار لوتواك إلى أن تفوق إسرائيل في هذا المجال يعود جزئيًا إلى طبيعة الخدمة العسكرية التي تُعد، بحسب وصفه، بمثابة مؤسسة تعليمية متقدمة تُدرّب آلاف الشباب سنويًا على استخدام التقنيات الحديثة، ما ينعكس على الاقتصاد والابتكار.
وأشار لوتواك إلى أن السعودية ستكون مُستاءة للغاية من محاولات أي دولة التحرر من أوبك، موضحاً أن السعودية مستاءة بشكل عام من الإمارات، لأن الإمارات، رغم صغر حجمها وقلة عدد سكانها مقارنةً بالسعودية، إلا أنها تتمتع باستقلالية كبيرة. وأضاف أنه على سبيل المثال، ليس أكبر مطار في الجزيرة العربية في السعودية، بل في مطار دبي. وقد كان قادة الإمارات طموحين في جميع المجالات، وأكد أن قادة الإمارات يختلفون عن غيرهم من القادة العرب في جانب واحد هو شجاعتهم.
وأوضح أن السعودية فتحت أبوابها للزوار الإسرائيليين الذين قدموا بأعداد كبيرة، مشيراً إلى أن أن ما أراده ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من إسرائيل لم يكن تحالفًا عسكريًا على الإطلاق، بل أن ينضم الشباب السعودي إلى العرب في إسرائيل الذين يعملون في مجال التكنولوجيا المتقدمة، لأن التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة هي منجم الذهب الحقيقي للشرق الأوسط.
أما فيما يتعلق بالصين، فرأى لوتواك أنها قوة اقتصادية كبرى، لكنها لا تزال تواجه تحديات في التحول إلى قوة عسكرية تقليدية، مشيرًا إلى أن الثقافة العامة لا تميل إلى النزعة العسكرية، رغم محاولات القيادة تعزيز هذا الاتجاه. ولفت إلى أن الصعود الصيني قد يدفع إلى تشكيل تحالفات دولية مضادة في المستقبل.
وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، اعتبر لوتواك أن التحولات الاقتصادية، خاصة في ظل الرأسمالية المتسارعة، قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية نتيجة اتساع الفجوة بين الطبقات، وهو ما يفسر صعود تيارات سياسية شعبوية، مثل تلك التي يمثلها دونالد ترامب.
وفي ختام الحوار، تناول لوتواك طبيعة الحياة السياسية في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن شخصنة دونالد ترامب السياسة، تجعله أهدافًا مباشرة للانتقادات وربما التهديدات والاغتيالات، مؤكدًا أن هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ الأمريكي، لكنها تزداد وضوحًا مع بروز شخصيات سياسية مثيرة للجدل.
ويأتي حوار الإعلامية ماريا معلوف مع المؤرخ والمفكر الاستراتيجي إدوارد لوتواك، في وقت بالغ الحساسية تشهده المنطقة والعالم، تتداخل فيه الأزمات الإقليمية مع التحولات الدولية المتسارعة. وقد عكس حديث لوتواك قراءة واسعة لموازين القوى وصراعات النفوذ، من لبنان إلى الخليج وصولًا إلى الولايات المتحدة والصين، بما يكشف حجم التعقيد الذي يحيط بالمشهد السياسي الراهن.













