الإمارات تدخل سوريا من بوابة الاقتصاد… لا إعادة الإعمار فقط

بقلم السفير حمدي صالح

في دمشق، لم يعد الحديث يدور فقط حول ما بعد الحرب… بل حول من سيكتب شكل الاقتصاد السوري الجديد.
وهنا تحديداً، تكتسب الزيارة الإماراتية الأخيرة معناها الحقيقي.
وصول وفد إماراتي رفيع المستوى برئاسة وزير التجارة الخارجية الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وبمشاركة شخصيات اقتصادية واستثمارية كبرى، لا يمكن قراءته كزيارة بروتوكوليةأو مجرد مشاركة في ملتقى أعمال تقليدي. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة جدية لفتح مرحلة اقتصادية جديدة في سوريا، عنوانها الانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “بناء السوق”.
بكلام أبسط… المنطقة بدأت تتعامل مع سوريا كاقتصاد قيد إعادة التشكيل، لا فقط كملف سياسي معقّد.
زيارة محمد العبّار قبل أيام، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، جاءت كإشارة أولى. أما الملتقى السوري ـ الإماراتي في دمشق، فهو الانتقال من النبض السياسي إلى الهيكل التنفيذي. وهنا تظهر الصورة بوضوح أكبر: الإمارات لا تدخل سوريا بخطوات رمزية، بل عبر هندسة استثمارية طويلة الأمد.
اللافت أن الأرقام المطروحة لم تعد صغيرة أو تجريبية.
مشروع “إيغل هيلز” وحده، بحسب المعطيات المتداولة، يتحدث عن 73 ألف وحدة سكنية، وأكثر من 3200 غرفة فندقية، وسبعة ملايين متر مربع من المساحات الخضراء، بكلفة قد تصل إلى 50 مليار دولار. هذا الرقم بحد ذاته لا يعكس مجرد مشروع عقاري، بل محاولة لبناء بيئة اقتصادية كاملة، أقرب إلى “مدينة اقتصادية داخل دولة تتعافى”.
وهنا يصبح السؤال مختلفاً:
هل نحن أمام استثمار عقاري… أم أمام إعادة رسم الخريطة الاقتصادية السورية؟
لأن المشاريع بهذا الحجم لا تغيّر العمران فقط، بل تغيّر حركة الرساميل، أنماط الاستهلاك، شبكات الخدمات، وحتى التوازنات السكانية والاقتصادية داخل المدن.
ثم يأتي مشروع “دي بي وورلد” في ميناء طرطوس، باستثمارات تقارب 800 مليون دولار، ليكشف البعد الأكثر أهمية في المشهد كله.
المسألة ليست فقط بناء فنادق ومجمعات سكنية… بل السيطرة على مفاتيح الحركة الاقتصادية القادمة.
وأحياناً… الموانئ تقول أكثر مما تقوله السياسة.
ميناء طرطوس هنا ليس تفصيلاً لوجستياً، بل نقطة عبور استراتيجية على المتوسط. ومن يراقب حركة الاستثمارات الإماراتية يفهم سريعاً أن “كلمة السر هي مياه البحر الأبيض المتوسط”. فالمعادلة لم تعد مرتبطة بسوريا وحدها، بل بموقع سوريا داخل خطوط التجارة والطاقة وإعادة الإعمار الإقليمية.
لهذا يبدو مشروع مترو دمشق، الذي تُقدّر كلفته بنحو ملياري دولار، جزءاً من تصور أكبر: إعادة إنتاج العاصمة السورية كمدينة قابلة للحياة الاقتصادية الحديثة، لا مجرد مدينة خرجت من الحرب.

لنقلها بشكل مباشر أكثر:
الإمارات لا تتحرك بعقلية “الربح السريع”، بل بعقلية التموضع المبكر داخل سوق لم تتحدد قواعده النهائية بعد، وهذه نقطة جوهرية.
في العادة، تنتظر الشركات الكبرى اكتمال الاستقرار السياسي قبل الدخول إلى الأسواق المعقدة. لكن ما يحدث اليوم مختلف. أبوظبي تبدو وكأنها تراهن على أن النفوذ الاقتصادي المبكر سيمنحها موقعاً متقدماً في سوريا الجديدة، تماماً كما فعلت سابقاً في أسواق ناشئة أخرى.

وهنا يظهر البعد الحقيقي للتحرك الإماراتي.
المسألة لا تتعلق فقط بإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، بل بالمشاركة في صياغة النموذج الاقتصادي القادم لسوريا. وهذا فارق كبير بين دولة تدخل لتقديم مساعدات مؤقتة، ودولة تدخل لبناء شراكات طويلة الأمد داخل بنية الاقتصاد نفسه.
المساعدات تُبقي الاقتصاد حيّاً مؤقتاً… أما الاستثمار فيعيد خلق الدورة الاقتصادية من الداخل.

صحيح أن البيئة السورية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، من البنية التحتية إلى التشريعات والتمويل والاستقرار الإداري. لكن الرسالة التي تحملها هذه الوفود تقول إن بعض العواصم العربية باتت ترى أن كلفة الانتظار قد تصبح أعلى من كلفة الدخول المبكر.
وهنا تحديداً نفهم لماذا تبدو دمشق اليوم وكأنها تدخل مرحلة جديدة بالكامل.
مرحلة لا يُقاس فيها النفوذ بعدد البيانات السياسية… بل بعدد المشاريع، والموانئ، وخطوط النقل، وحجم الرساميل القادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد.

والخلاصة الهادئة:
الإمارات لا تتعامل مع سوريا كساحة رمزية لإعادة الإعمار فقط… بل كسوق استراتيجية على المتوسط، تحمل فرصاً اقتصادية هائلة لمن يسبق إلى التموضع فيها.
وفي الشرق الأوسط الجديد… من يدخل أولاً إلى الاقتصاد، يملك غالباً كلمة أكبر في السياسة لاحقاً.

Related Posts