بترايوس في بغداد… حين قررت واشنطن تفكيك «الجمهورية الموازية» في العراق

بقلم: الدكتور عبد العزيز طارقجي

عاد ديفيد بترايوس إلى بغداد، لكن هذه المرة ليس كقائد عسكري يقود حرباً، بل كمهندس سياسي ـ أمني يحاول رسم شكل العراق القادم. الفارق كبير. ففي 2003 كانت واشنطن تسعى لإسقاط دولة وإعادة تركيب نظام. أما اليوم، فهي تحاول شيئاً أكثر تعقيداً: استعادة الدولة العراقية من داخل الدولة نفسها.

لهذا تبدو «الورقة التنفيذية» التي يعمل عليها بترايوس أخطر بكثير مما توحي به التسريبات المتداولة حول «الحشد الشعبي». المسألة لم تعد تتعلق فقط بسلاح خارج إطار الدولة، بل ببنية كاملة نشأت خلال عقدين، امتلكت السلاح والاقتصاد والسياسة والمعابر والقرار الأمني، ثم تحولت تدريجياً إلى ما يشبه “الجمهورية الموازية” داخل العراق، وهنا تحديداً يمكن فهم اللهجة الأميركية الجديدة.

واشنطن لم تعد تتحدث عن “احتواء الفصائل” كما فعلت لسنوات، بل عن إنهاء الصيغة الحالية لـ«الحشد الشعبي» نفسها. وهذا تطور بالغ الأهمية. لأن الفارق بين الاحتواء والتفكيك يشبه الفارق بين إدارة الأزمة ومحاولة تغيير النظام الذي ينتج الأزمة أساساً.
الأميركيون، على ما يبدو، وصلوا إلى قناعة بأن نموذج الدولة العراقية الهجين أصبح عبئاً استراتيجياً لا يمكن التعايش معه طويلاً، خصوصاً بعد الهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه السعودية والإمارات، وما رافقها من اقتناع داخل دوائر القرار الأميركية بأن بغداد، في مراحل سابقة، لم تكن قادرة فعلياً على ضبط قرار الحرب والسلم داخل حدودها.
بكلام أبسط… المشكلة الأميركية لم تعد مع “فصيل مسلح”، بل مع وجود قوة عسكرية ـ عقائدية تمتلك قدرة مستقلة على إنتاج قرار إقليمي يتجاوز الدولة العراقية نفسها، وهنا تكمن العقدة.

فـ«الحشد الشعبي» لم يعد منذ سنوات مجرد تشكيل أمني تأسس خلال الحرب ضد داعش. الزمن غيّر طبيعة هذه المؤسسة. بين 2014 و2026 انتقل «الحشد» من قوة تعبئة طارئة إلى بنية نفوذ عابرة للمؤسسات، لها حضور في البرلمان، والاقتصاد، والحدود، وشبكات التهريب، والعقود، وحتى داخل أجزاء من المنظومة الأمنية الرسمية.
أي أن الحديث عن تفكيك هذه البنية لا يشبه قراراً إدارياً بإعادة هيكلة مؤسسة عسكرية، بل يشبه محاولة إعادة توزيع القوة داخل العراق كله.
ولهذا تبدو إيران في حالة استنفار حقيقي.
طهران تدرك أن خسارة «الحشد» لا تعني فقط خسارة حليف عراقي، بل خسارة أهم بنية ردع بنتها غرب حدودها منذ سقوط نظام صدام حسين. فبالنسبة إلى الحرس الثوري الإيراني، لا يمثل «الحشد الشعبي» مجرد فصائل موالية، بل يشكل جزءاً من العمق الاستراتيجي الإيراني الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان.
لهذا لا يبدو الرد الإيراني عاطفياً أو أيديولوجياً فقط، بل دفاعاً بارداً عن بنية نفوذ إقليمية كاملة، والأخطر أن واشنطن تعرف ذلك جيداً.

لهذا تبدو الخطة الأميركية تدريجية وحذرة: تسليم السلاح الثقيل، عزل شخصيات مرتبطة بالهجمات الإقليمية، تعيين ضباط محترفين للإشراف على البنية التحتية لـ«الحشد»، ثم إعادة دمج العناصر القابلة للاستيعاب داخل مؤسسات الدولة.
لكن حتى هذه المقاربة “الناعمة” محفوفة بالمخاطر.

لأن الاقتراب من ملف السلاح في العراق لا يعني فقط الاقتراب من مسألة أمنية، بل من شبكة كاملة تتداخل فيها العقيدة مع المصالح الاقتصادية، والنفوذ السياسي مع شبكات التمويل، والعلاقة مع إيران مع توازنات البيت الشيعي نفسه.
وهذا ما يفسر حالة التردد داخل بغداد.

الحكومة العراقية تدرك أن الأميركيين لم يعودوا يقبلون بسياسة شراء الوقت. وفي المقابل، تدرك أيضاً أن الذهاب بعيداً في مشروع تفكيك «الحشد» قد يفتح أبواب مواجهة داخلية شديدة التعقيد، خصوصاً إذا شعرت الفصائل بأن الأمر يتجاوز إعادة الهيكلة نحو محاولة اقتلاع نفوذها بالكامل.
ولنقلها بشكل مباشر أكثر: العراق يقف اليوم أمام أخطر اختبار سيادي منذ سنوات.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تمتلك الدولة سلاحاً أقوى من الفصائل؟ بل: هل تستطيع الدولة احتكار تعريف الشرعية الأمنية أصلاً؟
هذه هي المعركة الفعلية.
ففي الدول المستقرة، تحتكر الدولة وحدها قرار استخدام القوة. أما في العراق، فقد تشكل خلال العقدين الماضيين نموذج مختلف تماماً: دولة رسمية، وإلى جانبها بنية مسلحة تملك شرعية سياسية وشعبية وعقائدية واقتصادية في الوقت نفسه.
لهذا فإن ما تحاول واشنطن فعله الآن ليس مجرد “نزع سلاح”، بل إعادة هندسة فلسفة القوة داخل العراق.
لكن المشكلة أن الأميركيين أنفسهم لا يملكون إجابة كاملة عن اليوم التالي.
ماذا لو رفضت الفصائل؟ ماذا لو قررت إيران استخدام العراق كساحة اشتباك مفتوح؟ ماذا لو تحول الضغط على «الحشد» إلى انقسام شيعي ـ شيعي داخل بنية الحكم نفسها؟ وأحياناً… يبدو أن بعض المسؤولين العراقيين يخشون حتى طرح هذه الأسئلة بصوت مرتفع.

لهذا تحديداً، تبدو عودة بترايوس إلى بغداد رمزية أكثر مما هي تقنية. الرجل الذي شارك قبل أكثر من عقدين في إعادة تشكيل العراق بعد الغزو الأميركي، يعود اليوم للمشاركة ـ بشكل مختلف ـ في محاولة إعادة تعريف الدولة العراقية مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لا تدور المعركة حول إسقاط نظام سياسي.
بل حول سؤال أكثر خطورة: من يحتكر القوة؟ ومن يملك حق تعريف الدولة نفسها داخل العراق؟

Related Posts