بقلم الدكتور عبد العزيز طارقجي
في لحظة يبدو فيها الاقتصاد العالمي وكأنه يعيد ترتيب نفسه تحت ضغط الأزمات والتكنولوجيا معًا، جاءت كلمة الدكتور سلطان الجابر في “اصنع في الإمارات 2026” لتضع عنوانًا مختلفًا للمشهد… أو ربما لتكشف ما كان يُبنى بهدوء منذ سنوات: الصناعة لم تعد خيارًا اقتصاديًا، بل أصبحت جزءًا من تعريف السيادة.
الأرقام التي طُرحت لافتة—200 مليار درهم مساهمة صناعية، نمو بنسبة 70%، وصادرات تصل إلى 262 مليار درهم. لكن التوقف عند الأرقام وحدها يُفوّت الفكرة الأساسية. المسألة ليست كم تنتج الدولة، بل ماذا تنتج، ولماذا، وكيف. هنا تحديدًا تتغير القصة.
الفكرة التي بدت واضحة في خطاب الدكتور سلطان الجابر يمكن تلخيصها بجملة واحدة: لا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي من دون قاعدة إنتاجية حقيقية. هذه ليست فكرة جديدة نظريًا، لكنها في السياق الخليجي تحديدًا تحمل معنى مختلفًا. لأن الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج ليس تعديلًا تقنيًا… بل تغيير في البنية الذهنية.
لكن لنقلها بشكل مباشر أكثر: الإمارات لا تريد فقط تقليل الاعتماد على الواردات، بل إعادة صياغة موقعها في سلاسل القيمة العالمية. ربما هذه هي النقطة الأكثر حساسية في كل ما قيل.
وهنا يدخل عنصر لافت—الذكاء الاصطناعي. الدكتور سلطان الجابر لم يقدّمه كأداة تحسين، بل كشريك في القرار داخل المصنع. قد تبدو العبارة تقنية، لكنها في الواقع تعني إعادة تعريف الكفاءة نفسها. لأن القرار الصناعي حين يصبح مدعومًا بالتحليل الذكي، فإن الإنتاج لا يزيد فقط، بل يتغير شكله، وتُعاد صياغة أولوياته.
أحيانًا… هذا النوع من التحول لا يُقاس بالأرقام فورًا. يظهر لاحقًا. في التفاصيل الصغيرة، قبل العناوين الكبيرة.
وفي موازاة ذلك، جاء الحديث عن توطين أكثر من 5000 منتج استراتيجي. هذه النقطة تحديدًا تحمل بعدًا أعمق مما تبدو عليه. لأن “التوطين” هنا لا يعني تصنيع سلع محليًا فقط، بل بناء قدرة مستقلة على التعامل مع الأزمات—سواء كانت اقتصادية أو جيوسياسية أو حتى صحية. بمعنى آخر: الأمن الاقتصادي لم يعد شعارًا، بل خطة عمل.
ثم نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في الخطاب: قرار الانسحاب من “أوبك” و”أوبك+”.
ظاهريًا، تم تقديم القرار كخطوة سيادية غير موجهة ضد أحد. وهذا صحيح. لكن على مستوى أعمق، نحن أمام إعادة تموضع في قلب معادلة الطاقة. السؤال ليس لماذا خرجت الإمارات، بل لماذا الآن تحديدًا؟
قد يكون الجواب مرتبطًا بتغير قواعد اللعبة. سوق الطاقة لم يعد يُدار فقط عبر توازنات العرض والطلب التقليدية، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها السياسة بالتكنولوجيا بالاستدامة. وفي مثل هذا السياق، قد تتحول القيود الجماعية إلى عبء. أو هكذا يبدو على الأقل.
الإمارات، كما يظهر من الخطاب، تريد هامش حركة أوسع. تريد أن تستثمر أسرع، أن ترفع إنتاجها إلى حدود 5 ملايين برميل يوميًا، وأن تخلق قيمة مضافة خارج الإطار التقليدي. هذه هي الفكرة ببساطة.
لكن في المقابل، هناك رسالة موازية لا تقل أهمية: الخروج من “أوبك” لا يعني الخروج من مسؤولية استقرار السوق. ولهذا كان التأكيد واضحًا على الاستمرار كشريك موثوق. هذه نقطة دقيقة… لأن إعادة التموضع لا تعني القطيعة، بل تغيير طريقة التأثير.
ما يلفت أيضًا هو الربط المتزايد بين قطاعي الصناعة والطاقة. لم يعد بالإمكان فصلهما. الطاقة تُستخدم لدعم التصنيع، والتصنيع يعيد تعريف قيمة الطاقة نفسها. ومع دخول الابتكار والتكنولوجيا، تصبح هذه العلاقة أكثر تعقيدًا… وأكثر تأثيرًا.
ولا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي. حين يتحدث الدكتور سلطان الجابر عن أمن مضيق هرمز كمسؤولية عالمية، فهو لا يقدّم طرحًا تقنيًا فقط، بل يضع الإمارات ضمن معادلة أوسع تتعلق بأمن التجارة الدولية واستقرار الإمدادات. وهذا بحد ذاته موقع متقدم في خريطة القوة.
كل ذلك يقود إلى سؤال بسيط في شكله، لكنه عميق في مضمونه: ماذا تريد الإمارات فعلًا؟
الإجابة، كما توحي بها المؤشرات، ليست مجرد تنويع اقتصادي. بل إعادة تعريف دورها بالكامل. الانتقال من اقتصاد يتأثر بالمتغيرات، إلى اقتصاد يملك القدرة على التأثير فيها.
قد يبدو هذا الطموح كبيرًا. وربما ليس خاليًا من المخاطر. وربما أيضًا يحتاج وقتًا أطول مما يُقال. لكن في المقابل، هناك رهان واضح على البنية التحتية، وعلى الشراكات، وعلى القدرة على التكيف. وهذه عناصر لا تُبنى بسرعة… لكنها حين تتراكم، تُحدث فرقًا حقيقيًا.
في النهاية، ما جرى في “اصنع في الإمارات 2026” لم يكن مجرد عرض لخطط صناعية، بل إعلان غير مباشر عن مرحلة جديدة.
مرحلة لا تُقاس فقط بما يُنتج… بل بكيف يُعاد تعريف معنى القوة الاقتصادية نفسها.













