بقلم : ماريا معلوف
في عالم تتراجع فيه الثقة كما تتراجع العملات في أزمنة الأزمات، تبرز الإمارات نموذجاً مختلفاً تماماً. الإمارات لم تسبح ضد التيار بدافع التحدي، بل لأنها بنت مسارها على أسس واضحة ومؤسسات راسخة. تصدّر الدولة مؤشر «إيدلمان للثقة» لعام 2026 بحصولها على 80 نقطة من أصل 100، وهو رقم يعكس علاقة نادرة ومستقرة بين الحكومة والمجتمع، في زمن أصبحت فيه هذه العلاقة محل شك في معظم أنحاء العالم.
هذا الإنجاز لم يأت من فراغ، بل هو حصيلة سنوات طويلة من العمل المؤسسي. كما عبّر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فإن صدارة الإمارات في مؤشر الثقة العالمية بُنيت على «سنين طويلة من مصداقية الكلمة، والوفاء بالوعود، وشرعية الإنجاز، ونزاهة القوانين، واحترام البشر». كلمات تلخص فلسفة حكم ترى الثقة ليس شعاراً، بل رأس مال استراتيجي للدولة.
تحقق هذا التقدم في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات كبرى. الديمقراطيات الغربية، التي طالما اعتُبرت مرجعيات للحكم الرشيد، تسجل اليوم تراجعاً كبيراً في ثقة شعوبها بحكوماتها. الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، واليابان جميعها هبطت إلى مستويات منخفضة في الثقة، بينما صعدت الإمارات لتؤكد أن الشرعية لم تعد تُقاس بالخطابات الطويلة، بل بالنتائج الملموسة على الأرض.
قفزة الإمارات من 72 نقطة في 2025 إلى 80 نقطة في 2026 تعكس زيادة غير مسبوقة في الثقة بالحكومة وقطاع الأعمال والإعلام معاً. هذه الثلاثية ليست مجرد أرقام، بل تعكس قدرة الدولة على مزج السياسة بالاقتصاد والخطاب الإعلامي لتحقيق استقرار حقيقي، لا استقراراً ظاهرياً.
الثقة بالحكومة الإماراتية وصلت إلى 86%، من بين أعلى النسب عالمياً. هذه الثقة لا تولد بالقرارات المؤقتة، بل من إدراك الناس أن الدولة تعمل، تخطط، وتصحح مسارها بهدوء وحزم. في المقابل، تشهد دول أخرى فجوة واضحة بين المواطن والسلطة، ما يحوّل الخطاب السياسي إلى مادة انقسام ويغيب معه الإقناع، فيحل الشك محل الثقة.
الأكثر وضوحاً هو ما حققه الإعلام الإماراتي، الذي ارتفعت الثقة فيه إلى 74% بعد زيادة بلغت 15 نقطة. في وقت تُتهم فيه وسائل الإعلام عالمياً بتأجيج الانقسام ونشر القلق، يقدم الإعلام الإماراتي نموذجاً للشراكة في الاستقرار. أما قطاع الأعمال، فحافظ على مكانته بثقة 84%، معبراً عن بيئة تشريعية واستثمارية مستقرة توفر الأمان للمستثمر والعامل معاً.
انعكس هذا الأداء أيضاً على المزاج العام، حيث عبّر 63% من سكان الإمارات عن تفاؤلهم بمستقبلهم الاقتصادي خلال السنوات الخمس المقبلة، لتحتل الدولة المرتبة الثانية عالمياً في التفاؤل. هذا التفاؤل لا يقوم على الأمنيات، بل على معطيات واقعية ملموسة، في وقت تقل نسب التفاؤل في دول متقدمة مثل اليابان وفرنسا وألمانيا إلى أقل من 15%.
مؤشر «إيدلمان للثقة» يقيس سنوياً ثقة الجمهور في أربع مؤسسات رئيسية: الحكومات، وقطاع الأعمال، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام. كما يرصد المخاوف المجتمعية الناتجة عن التضليل أو التحديات الاقتصادية، ويضع توقعات الجمهور تجاه قادة المؤسسات في مواجهة هذه القضايا. أهميته تكمن في أنه مرآة لنبض الشارع وأداة لتوجيه السياسات وتحسين الشفافية.
وفي مواجهة موجة الانعزالية العالمية، حيث يعاني 70% من الناس من صعوبة الثقة بمن يختلفون عنهم، تسجل الإمارات واحدة من أدنى نسب الانعزالية عالمياً عند 48%. هذا يعني أن المجتمع الإماراتي منفتح أكثر على التعايش والثقة بالآخر، مما يعزز مكانة الدولة كحاضنة للتنوع والانفتاح.
في المشهد الدولي المضطرب، لا تبدو الإمارات مجرد استثناء، بل نموذج مدروس. نموذج يثبت أن الثقة لا تُفرض، بل تُبنى، وأن الاستقرار لا يُعلن، بل يُدار. وتشهد الأرقام على دولة جعلت من الثقة جزءاً أساسياً من سياسة الحكم.













