بقلم: خليل القاضي
ما قاله الدكتور سلطان الجابر لا يُقرأ كتصريح عابر في سوق الطاقة، بل كإعادة رسم لحدود اللعبة الدولية نفسها. المسألة لم تعد تتعلق بممر مائي ضيق، بل بسؤال أكبر بكثير: هل يمكن لدولة أن تحوّل شرياناً عالمياً إلى أداة ضغط؟ أم أن هناك خطوطاً لا يُسمح بتجاوزها مهما تصاعدت الأزمات؟
بكلام أبسط: القضية لم تعد هرمز… بل من يملك حق تعطيل العالم.
خلال 50 يوماً فقط، تعطّل نحو 600 مليون برميل من النفط. رقمٌ يبدو بارداً، لكنه في الواقع يشبه سحب الأوكسجين تدريجياً من رئة الاقتصاد العالمي. السفن تتكدس كأنها عالقة في عنق زجاجة كونية، وسلاسل الإمداد تبدأ بالاختناق: غاز مسال، وقود طائرات، أسمدة، مواد أساسية.
والنتيجة لا تبقى في الموانئ، بل تصل مباشرة إلى حياة الناس. كما قال الدكتور الجابر بوضوح: “كل برميل مفقود يرفع الفواتير على الأشخاص العاديين في كل مكان”. هنا، تتحول الأزمة من ملف طاقة إلى معادلة معيشية تضغط على مليارات البشر.
لكن جوهر خطاب الدكتور سلطان الجابر لا يكمن في الأرقام، بل في كسر المنطقة الرمادية. لا مجاملات لغوية: فرض رسوم مقابل المرور “ابتزاز”، واستخدام المضيق كورقة تهديد “غير مقبول”. والأهم، نزع الغطاء عن الرواية السيادية: مضيق هرمز لم يكن يوماً ملكاً لإيران.
هذه ليست مجرد جملة سياسية، بل محاولة لإعادة تثبيت قاعدة دولية: الممرات الحيوية لا تُدار بمنطق الملكية، بل بمنطق الاستخدام العالمي المفتوح.
في المقابل، لا يمكن فهم ما يجري دون تفكيك منطق الطرف الآخر. إيران لا تتحرك فقط بدافع أمني، بل وفق استراتيجية أعمق يمكن وصفها بـ“تسييل الجغرافيا”أي تحويل الموقع إلى أداة ضغط تُستخدم عند الحاجة لتعويض اختلالات في موازين القوة أو في طاولات التفاوض.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً داخلياً خطيراً: كلما تم توسيع دائرة الضغط، خرجت النتائج عن السيطرة. فتعطيل ممر بهذا الحجم لا يخلق نفوذاً فقط… بل يفتح باب فوضى يصعب إغلاقه.
الأرقام الميدانية تكشف بداية هذا الانزلاق: استهداف 22 سفينة، مقتل 10 بحارة، مئات السفن المتوقفة، وعشرات آلاف العالقين في البحر بلا ممر آمن. لم يعد الأمر حادثاً أمنياً، بل تحوّل إلى بيئة طاردة للتجارة.
وحين تفقد الممرات ثقة المستخدمين، لا تتوقف الحركة فقط… بل تعيد رسم خرائطها، ومعها تتغير موازين الاقتصاد والنفوذ.
التداعيات بدأت بالفعل بالانتشار كدوائر في الماء. آسيا دفعت الثمن أولاً: تقنين وقود، تقليص رحلات، ضغط على الإنتاج. ثم وصل الأثر إلى أوروبا: تضخم في أسعار الغذاء والطاقة، وارتفاع مباشر في كلفة الحياة.
أي أن 33 كيلومتراً فقط—عرض مضيق هرمز—باتت كافية لإرباك إيقاع الاقتصاد العالمي. وهنا تكتسب عبارة الدكتور سلطان الجابر معناها الكامل: “33 كيلومتراً تفصل بين ازدهار العالم واضطرابه”.
في العمق، يعكس هذا الموقف رؤية تتجاوز حدود الخليج: أمن الطاقة ليس ملفاً تقنياً، بل ركيزة استقرار دولي. فالمضيق لا ينقل النفط فقط، بل يمر عبره 30% من الغاز المسال، ونحو 50% من الكبريت المستخدم في الأسمدة والدواء.
بمعنى أدق، أي تعطيل هنا لا يرفع أسعار الوقود فقط… بل يضغط على الغذاء، والصناعة، والصحة، أي على البنية اليومية للحياة الحديثة.
لهذا، لا تبدو دعوة الدكتور سلطان الجابر إلى تحرك دولي مجرد موقف دبلوماسي، بل محاولة لإنقاذ قاعدة أساسية في النظام العالمي: حرية الملاحة. لأن سقوط هذه القاعدة في هرمز لن يبقى محصوراً فيه، بل سيتحول إلى سابقة قابلة للتكرار في ممرات أخرى.
الخلاصة؟
ما يطرحه سلطان الجابر ليس دفاعاً عن ممر مائي، بل تثبيت لقاعدة لا يقوم النظام العالمي من دونها: حرية التدفق لا تُفاوض ولا تُبتز.
الإمارات هنا لا تدافع عن موقع جغرافي، بل عن استقرار العالم نفسه—عن حق الأسواق أن تعمل، وحق الناس أن تعيش دون أن تتحول الجغرافيا إلى سلاح.
ولهذا، المسألة لم تعد من يسيطر على مضيق هرمز…
بل إن كان العالم مستعداً لفرض هذه القاعدة—أو تركها تُكسر.













