تحقيق باريس.. هل يكشف الحقيقة أم يصنعها؟بين الشبهة والسردية.. ماذا وراء توقيت ملف الصحناوي؟

بقلم ماريا معلوف

لا يمكن التعامل مع فتح التحقيق المالي في باريس المرتبط برجل الأعمال اللبناني أنطون الصحناوي بوصفه إجراءً قانونياً تقنياً فقط. فالقضية، كما تكشف المعطيات المتداولة، تقع عند تقاطع حساس بين القانون والسياسة والإعلام، حيث لا يكتسب الحدث أهميته من مضمونه فحسب، ولكن في توقيته والسياق الذي خرج فيه إلى العلن.

ملف لم يولد اليوم
أولى الملاحظات الجوهرية أن هذا الملف ليس وليد اللحظة فالمعلومات تشير إلى أنه كان قيد التداول منذ أشهر داخل الأطر القانونية، وخضع لعمليات مراجعة وإعادة صياغة قبل أن يُفتح رسمياً الآن. هذا المسار يطرح تساؤلًا مشروعًا “ما الذي تغيّر حتى يُدفع بالملف إلى الواجهة في هذا التوقيت تحديدًا؟”.

في القضايا المالية العابرة للحدود، لا يكون اختيار التوقيت أمرًا محايدًا دائمًا. فهذه الملفات غالبا ما تتحرك ضمن بيئة تتأثر بعوامل سياسية وضغط إعلامي واعتبارات تتعلق بتأثير القضية على الرأي العام.

طبيعة التحقيق.. ما بين الاشتباه والإثبات
بحسب ما ورد في المعطيات، يستند التحقيق الذي فتحه مكتب الادعاء المالي الفرنسي إلى شكاوى تتعلق بتحويلات مالية من لبنان إلى فرنسا، وُصفت بأنها “مثيرة للريبة”، مع احتمال ارتباطها بعمليات غسل أموال أو إخفاء أصول.

لكن من الضروري التمييز بين ثلاث مراحل أساسية الاشتباه وهو نقطة الانطلاق التي تُبنى على مؤشرات أولية، والتحقيق حيث يتم التدقيق في الأدلة واختبار الفرضيات، بالإضافة إلى الإدانة التي لا تتحقق إلا بقرار قضائي نهائي

حتى الآن، القضية لا تزال في المرحلة الأولى، أي ضمن نطاق الاشتباه والتحقيق الأولي، دون أي حكم قضائي أو إثبات حاسم.

البعد المصرفي “شبكة مترابطة”
تكتسب القضية حساسية إضافية بسبب ارتباطها بشبكة مصرفية تضم مؤسسات مثل بنك عودة ومجموعة ريشليو ومصرف سويسيته جنرال في لبنان، هذا الترابط يضع الملف في إطار أوسع يتجاوز شخصاً بعينه، ليعكس طبيعة النظام المالي اللبناني قبل الأزمة.

وقبل عام 2019، كان هذا النظام يقوم على حرية حركة الأموال وغياب القيود الصارمة على التحويلات الخارجية. لذلك، فإن تقييم تلك العمليات اليوم بمعايير لاحقة يثير إشكالية قانونية معقدة، تتعلق بمسألة “رجعية التفسير” أكثر من مخالفة النصوص.

السردية العامة.. قوة التأثير وضعف الدليل
في الفضاء العام، تبرز رواية واضحة ومؤثرة: “تم تحويل الأموال إلى الخارج فيما كان المودعون عاجزين عن سحب أموالهم”.

هذه الرواية تحمل شحنة عاطفية كبيرة، وبخاصة في ظل الأزمة اللبنانية، لكنها لا تكفي قانونيًا لإثبات جرم. إذ يبقى السؤال الأساسي.. هل كل تحويل مالي يُعد تهريبًا؟

القانون لا يقر بذلك بشكل مطلق. ولكن يتطلب إثبات نية جرمية، أو وجود خرق واضح للقوانين النافذة في حينه. وحتى الآن، لا تظهر المعطيات المتاحة دليلاً حاسماً في هذا الاتجاه.

التوقيت كعنصر فاعل في تشكيل المعنى
أحد أبرز أبعاد هذه القضية هو التوقيت. فتح التحقيق في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، حيث تتراكم الأزمات المالية وتتصاعد مطالب المحاسبة، يجعل من الملف أكثر من مجرد مسار قانوني.

هذا التوقيت يساهم في تضخيم التغطية الإعلامية، وتعزيز الانطباعات المسبقة، وربط القضية بسياق أوسع من الغضب الشعبي

وبالتالي، يصبح التوقيت جزءاً من “بناء السردية”، وليس مجرد إطار زمني لوقوع الحدث.

بين العدالة والانتقائية
المسألة الأكثر تعقيدا تكمن في كيفية تقديم القضية للرأي العام، فتح التحقيق بحد ذاته أمر مشروع وضروري في أي نظام قضائي، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول هذا التحقيق إلى ما يشبه الإدانة المسبقة.

كما أن طرح ملف محدد في هذا التوقيت، دون غيره من الملفات المشابهة، يفتح الباب أمام تساؤلات حول معايير الاختيار.. هل نحن أمام بداية مسار محاسبة شاملة؟، أم نموذج انتقائي يُسلَّط فيه الضوء على حالات بعينها؟.

دور الإعلام بين الكشف والتأثير
لا يمكن إغفال دور الإعلام في هذه القضية.. فالتغطية المكثفة، والربط بين أسماء وملفات متعددة، قد يسهمان في توسيع دائرة الاهتمام، لكنهما في الوقت نفسه قد يخلقان مناخا من الإدانة قبل اكتمال المسار القضائي، وهذا التداخل بين الإعلام والقضاء يعقّد المشهد، ويجعل من الصعب الفصل بين ما هو قانوني وما هو انطباعي.

اختبار مزدوج للحقيقة والعدالة
القضية، في وضعها الحالي، لا تزال في بدايتها. ما هو متوفر حتى الآن لا يتجاوز كونه معطيات قيد الفحص، وشبهات لم تتحول إلى إثباتات، لكن الأهم من ذلك أن هذا الملف يعكس إشكالية أعمق.. كيف تُدار العدالة في قضايا حساسة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإعلام؟

فالعدالة لا تُقاس فقط بفتح التحقيقات، ولكن بمدى حياديتها، وتوقيتها، وقدرتها على الفصل بين الاشتباه والإدانة، وفي الحالة الراهنة، يبدو أن التوقيت لم يعد مجرد تفصيل، حيث أصبح عنصرا أساسيا في صياغة القضية نفسها وفي تحديد كيف ستُفهم، قبل أن تُحسم قانونيا.

Related Posts