آن الأوان للانتقال من مكافحة الإرهاب إلى تفكيك البنية المنتجة للتطرف.

فيصل مرجاني

على امتداد السنوات الماضية، برهنت المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية، وفي مقدمتها المديرية العامة للأمن الوطني ومختلف المصالح المختصة في الاستعلامات والأبحاث، على مستوى عالٍ من اليقظة والاحترافية في حماية الأمن العام، وإحباط عدد من المخاطر التي كانت تستهدف استقرار الدولة وأمن المواطنين. ولم يعد خافيًا أن هذه المؤسسات أصبحت، بحكم الواقع، تتحمل أعباءً تتجاوز اختصاصها الأصلي، بعدما وجدت نفسها في كثير من الأحيان في مواجهة نتائج اختلالات متراكمة داخل منظومات أخرى يفترض أنها تضطلع بالأدوار الوقائية والفكرية والتربوية والثقافية.

فالإرهاب لا يولد في اللحظة التي تحاصره فيها الأجهزة الأمنية، والتطرف لا يتشكل في لحظة تنفيذ الجريمة، وإنما يبدأ داخل فراغات معرفية، واختلالات تربوية، وأزمات نفسية، ومساحات ثقافية مهملة، وخطابات دينية غير متجددة، وبيئات اجتماعية عاجزة عن إنتاج مواطن يمتلك أدوات التفكير النقدي والقدرة على مقاومة التلاعب الأيديولوجي. ومن هنا فإن تحويل العبء بأكمله إلى الأجهزة الأمنية يمثل، في جوهره، اعترافًا غير معلن بعجز المقاربات العمومية الأخرى عن أداء وظائفها الوقائية.

لقد أصبح نساء ورجال الأمن، في كثير من الأحيان، مطالبين، بإصلاح ما لم تستطع المدرسة إصلاحه، ومعالجة ما عجزت عنه المؤسسات الثقافية، واحتواء ما أخفقت فيه برامج التأطير الديني، والتصدي لما تركته بعض الفضاءات السياسية والمدنية من فراغات استغلتها خطابات التطرف والغلو والكراهية والإقصاء. وهذه معادلة غير طبيعية، لأن الدولة الحديثة لا تبنى فقط بأجهزة أمن قوية، بل كذلك بمؤسسات تربوية وثقافية ودينية قادرة على إنتاج الأمن الفكري قبل الأمن الميداني.

لقد راكمت المقاربة الأمنية المغربية رصيدًا معتبرًا من الكفاءة والنجاعة في مجال الاستباق الأمني، وإحباط التهديدات قبل تحولها إلى وقائع تمس استقرار الدولة وأمن المجتمع، بما رسّخ مكانتها كنموذج يحظى باحترام واسع على المستويين الإقليمي والدولي، غير أن نجاحها لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لصمت باقي الفاعلين أو إلى مبرر لاستمرار حالة اللامبالاة المؤسساتية. فالأمن، وفق الفلسفة السياسية المعاصرة، ليس وظيفة بوليسية فحسب، بل هو منظومة حضارية متكاملة تشترك في إنتاجها المدرسة، والجامعة، والأسرة، والإعلام، والمؤسسة الدينية، والمجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والسياسات الثقافية والشبابية.

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الإرهابي الذي يحمل السلاح فحسب، وإنما البيئة الفكرية التي أنتجته، والفراغ المعرفي الذي احتضنه، والخطابات الإقصائية التي شرعنت وجوده، واللامبالاة التي سمحت له بالنمو بعيدًا عن كل أشكال الوقاية الفكرية والنفسية. فكل إرهابي كان، في مرحلة سابقة، مجرد فكرة، وكل فكرة متطرفة كانت نتيجة إخفاق مؤسساتي في بناء العقل النقدي، وترسيخ ثقافة التعدد والاختلاف، وتعليم المواطن كيف يفكر بدل أن يلقن ماذا يفكر.

ومن هذا المنطلق، فإن المغرب يحتاج اليوم إلى انتقال استراتيجي من سياسة مكافحة الإرهاب إلى سياسة وطنية شاملة لمكافحة شروط إنتاج الإرهاب. وهذا التحول لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مراجعة عميقة للمناهج التعليمية بما يعزز التفكير النقدي، وإصلاح الخطاب الديني بما يجعله أكثر قدرة على مواجهة التأويلات المتشددة، وتطوير السياسات الثقافية والشبابية لتوسيع فضاءات الحوار والانفتاح، وتجريم خطابات الكراهية والإقصاء بكل أشكالها، وإطلاق برامج وطنية للعناية بالصحة النفسية، باعتبارها أحد مكونات الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين، لما لها من دور في تعزيز المناعة النفسية والفكرية لدى الأطفال والشباب، وتقوية قدرتهم على التحليل، والتمييز، ومقاومة الاستقطاب والتلاعب الأيديولوجي.

إن الاقتصار على المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، يعني معالجة النتائج دون الأسباب، والتعامل مع المظاهر دون البنية العميقة التي تنتجها. أما الدولة التي تطمح إلى تحصين مستقبلها، فهي تلك التي تجعل من الوقاية الفكرية مشروعًا سياديًا، ومن بناء الإنسان أولوية استراتيجية، ومن إنتاج العقل الحر مسؤولية وطنية مشتركة.

لقد آن الأوان لأن تتحول مسؤولية مواجهة التطرف من مسؤولية قطاعية تتحملها الأجهزة الأمنية إلى مسؤولية وطنية تتقاسمها جميع المؤسسات دون استثناء. فالأمن ليس مسؤولية نساء ورجال الأمن وحدهم، كما أن التطرف ليس مشكلة أمنية فقط، بل هو أزمة حضارية متعددة الأبعاد، تتطلب تضافر السياسات التعليمية والثقافية والدينية والاجتماعية والنفسية.

إن الرهان الحقيقي لم يعد يكمن في اعتقال المتطرف بعد تشكل مشروعه العنيف، بل في الحيلولة دون تشكل هذا المشروع أصلًا. ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تؤسس لعقيدة وطنية جديدة قوامها: مواجهة التطرف قبل المتطرف، وتجفيف المنابع قبل ملاحقة النتائج، وبناء الإنسان قبل الاكتفاء بحماية المجال العام. فالدول القوية لا تنتصر فقط لأنها تمتلك أجهزة أمنية يقظة، بل لأنها تمتلك أيضًا مؤسسات قادرة على إنتاج مواطن عصي على الكراهية، محصن ضد التطرف، ومؤمن بأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل هو أحد شروط قوة الدولة واستقرارها واستمرارها.

Related Posts