بقلم : خليل القاضي
في لحظة سياسية يترقب فيها اللبنانيون أي نافذة يمكن أن تفتح باب التهدئة، اختار رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يقف في موقع المراقب، رافعًا سقف الشروط قبل منح أي فرصة للمسار الذي انطلق من واشنطن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يحتاج لبنان اليوم إلى مزيد من الانتظار، أم إلى استثمار أي فرصة، ولو كانت غير مكتملة؟
لا خلاف على أن العبرة تبقى في النتائج، وأن وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل أهداف لا يمكن التنازل عنها. غير أن تحويل هذه الحقيقة إلى سبب لتعليق الحكم على أي تحرك دبلوماسي قد يحمل مخاطرة أخرى، وهي إضعاف الزخم السياسي الذي قد يشكل مدخلًا لتحقيق تلك النتائج.
فحديث بري عن أن “ترامب يفهمه أكثر من اللبنانيين” يعكس تمسكًا بمنطقه السياسي، لكنه لا يجيب عن سؤال جوهري: إذا كانت جميع المبادرات ستُقاس بنتائجها النهائية فقط، فمن الذي سيمنحها فرصة الوصول إلى تلك النتائج؟ فالسياسة لا تتحرك بقفزات، بل بتراكمات وخطوات متتالية، وأي تفاوض يبدأ عادةً قبل أن تظهر ثماره على الأرض.
كما أن التقليل من أهمية أي انسحاب جزئي أو أي تقدم ميداني، بحجة أنه غير مكتمل، قد يترك انطباعًا بأن لا شيء يستحق الإشادة ما لم يتحقق الهدف النهائي دفعة واحدة. وهذه مقاربة قد تكون مفهومة من زاوية التفاوض، لكنها قد تُفقد لبنان القدرة على البناء التدريجي على أي إنجاز، مهما كان محدودًا.
وفي المقابل، بدا الرئيس جوزاف عون أكثر ميلًا إلى منح المسار السياسي فرصة، متحدثًا عن إمكان تحقيق تقدم إذا توافرت الإرادة الدولية. أما الإدارة الأميركية، فأرسلت إشارات توحي بأنها ترى في بري شريكًا محتملًا متى لمس تقدمًا عمليًا، ما يعني أن باب التواصل لم يُغلق.
المعضلة الحقيقية لا تكمن في مطالبة بري بضمانات، فهذا حق سياسي مشروع، بل في أن يتحول الحذر إلى موقف دائم يؤجل الاستفادة من أي فرصة. فلبنان يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية، وأي انفراجة، حتى لو كانت محدودة، قد تشكل أساسًا لتطورات أكبر.
في النهاية، لا أحد يطالب بتوزيع شهادات نجاح مبكرة على قمة واشنطن، لكن التشكيك المسبق ليس بديلًا عن التقييم الموضوعي. فبين التفاؤل المفرط والرفض المسبق، تبقى الحاجة إلى مقاربة توازن بين الواقعية السياسية وعدم إضاعة الفرص، لأن اللبنانيين ينتظرون أفعالًا بالفعل، لكنهم ينتظرون أيضًا قيادة مستعدة للبناء على كل خطوة تقرّبهم من نهاية الأزمة، لا الاكتفاء بانتظار الصورة الكاملة قبل الاعتراف بأي تقدم.












