بقلم: خليل القاضي
لا تُقاس قوة الشراكات الدولية بحجم الأموال المتبادلة وحده، بل بقدرتها على تحويل رأس المال إلى إنتاج ومعرفة ومصالح يصعب الاستغناء عنها. ومن هذا المنظور، تتجاوز الشراكة الإماراتية مع بنسلفانيا حدود التبادل التجاري إلى قطاعات أكثر حساسية في الاقتصاد الحديث، من علوم الحياة والتكنولوجيا الصحية إلى العلاجات الخلوية والتصنيع المتقدم. فالمسألة ليست توسيع التجارة فحسب، بل ترسيخ موقع الإمارات داخل شبكات الاستثمار والابتكار الأميركية.
يبلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات وبنسلفانيا نحو 550 مليون دولار، وتدعم التجارة بين الجانبين قرابة 3,200 وظيفة في الولاية، فيما سجلت بنسلفانيا فائضاً تجارياً مع الإمارات بقيمة 400 مليون دولار عام 2025. وإلى ذلك، تدعم الاستثمارات الإماراتية أكثر من 1,500 وظيفة. ورغم اختلاف هذه المؤشرات، فإنها تكشف عن علاقة تتوزع منافعها بين التجارة والاستثمار والتوظيف، وتمنح الطرفين حافزاً لتوسيعها.
وتستمد بنسلفانيا أهميتها من قاعدة متقدمة في علوم الحياة؛ إذ تضم نحو 3,900 شركة في القطاع، وتوظف أكثر من 110 آلاف شخص، وتبلغ مساهمته الاقتصادية المباشرة نحو 73 مليار دولار. وخلال السنوات الخمس الماضية، سجل الباحثون والشركات في الولاية أكثر من 20 ألف براءة اختراع جديدة في علوم الحياة، وهو سادس أعلى إجمالي على مستوى الولايات المتحدة. وتكشف هذه الأرقام عن منظومة تجمع البحث العلمي والكفاءات الطبية ورأس المال والتصنيع، وتتيح تحويل الابتكار إلى منتجات وأسواق.
في هذا السياق، ركزت البعثة الإماراتية إلى فيلادلفيا، التي نظمها المكتب التجاري والاستثماري في سفارة الإمارات بالتعاون مع مجلس الأعمال الإماراتي الأميركي، على علوم الحياة والتكنولوجيا الصحية والعلاج الخلوي. ودلالتها تتجاوز استكشاف فرص تجارية جديدة إلى بناء روابط داخل قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، حيث يمتد العائد من الأرباح إلى المعرفة والخبرة والقدرة على تطوير تقنيات جديدة.
وتجسد زيارة منشأة «Iovance Biotherapeutics» المتخصصة في تصنيع العلاجات الخلوية هذا التوجه؛ إذ تتيح بحث فرص التعاون في التصنيع الطبي المتقدم وتبادل الخبرات وربط البحث العلمي بالتطبيق التجاري. وبالنسبة إلى الإمارات، تكمن الفرصة في تعزيز المعرفة الصحية واقتصاد الابتكار، بينما تستفيد بنسلفانيا من الاستثمار وتوسيع نشاطها الصناعي والتكنولوجي. غير أن هذه المكاسب تظل رهناً بقدرة الطرفين على تحويل اللقاءات إلى اتفاقات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
أما زيارة منطقة «Bellwether District»، فتسلط الضوء على إمكانات إعادة توظيف الأراضي الصناعية السابقة ضمن بيئة جديدة للأعمال والتصنيع والخدمات اللوجستية. وهنا يلتقي اهتمام الإمارات بالاستثمار طويل الأجل والبنية اللوجستية مع مساعي بنسلفانيا لتجديد قاعدتها الصناعية، بما قد يربط الصناعات المتقدمة بسلاسل الإمداد والتوزيع.
وتندرج هذه التحركات ضمن مسعى أوسع لتعميق الشراكة الاقتصادية الإماراتية الأميركية، في ظل إطار استثماري معلن بقيمة 1.4 تريليون دولار على مدى عشر سنوات. لكن هذا الرقم لا يعني أن المبلغ استُثمر بالكامل أو خُصص لبنسلفانيا؛ فالإطار يحدد اتجاه العلاقة، بينما تقاس نتائجه بالمشروعات المنفذة، والإنتاج الذي تضيفه، والوظائف التي توفرها، والخبرات التي تنقلها.
هنا تكمن الدلالة الاستراتيجية: الإمارات لا تبحث عن عائد مالي معزول، بل عن فرص للوصول إلى التكنولوجيا والخبرة وسلاسل القيمة والأسواق. وبنسلفانيا تحتاج إلى رأس المال الذي يساعدها على تحويل تفوقها البحثي إلى نمو اقتصادي مستدام. كما تستطيع الإمارات أن تشكل بوابة إقليمية للشركات الأميركية الراغبة في التوسع نحو أسواق الخليج والمنطقة. وبذلك، يصبح الاستثمار تبادلاً للمزايا والقدرات، لا مجرد انتقال للأموال بين طرفين.
ولا تعني المصالح الاقتصادية تطابقاً سياسياً تلقائياً، لكنها تمنح التعاون قاعدة أكثر رسوخاً حين ترتبط بمنافع ملموسة ومتبادلة. فالاختبار الحقيقي للشراكة الإماراتية في بنسلفانيا ليس حجم الأموال المعلنة، بل قدرتها على تحويل رأس المال إلى إنتاج وتكنولوجيا ووظائف ومعرفة. وإذا انتقلت المبادرات إلى مشروعات ناجحة، فلن تكون النتيجة مجرد زيادة في التجارة، بل حضوراً اقتصادياً إماراتياً أعمق داخل واحدة من أبرز البيئات الأميركية في علوم الحياة. عندها، يصبح الاستثمار أداة لبناء القدرات وصناعة المصالح التي تمنح الشراكة استمراريتها.













