حين سبق الشيخ د. محمد بن عيسى الجابر افتتاحية «عكاظ» بستة أشهر…. قراءة في المسؤولية اليمنية وحدود المساندة السعودية

في السياسة، لا تُقاس أهمية المواقف بتوقيت إعلانها فحسب، بل بقدرتها على استباق اللحظة التي تصبح فيها حقائق لا يمكن تجاهلها. وما يبدو اليوم موقفاً تفرضه الضرورة، قد يكون بالأمس رؤية استشرفت ما ستؤول إليه الأمور.

في أبريل الماضي، خرج معالي الشيخ الدكتور محمد بن عيسى الجابر بخطاب مصوّر موجّه إلى أبناء تهامة واليمن، قال فيه بعبارات بالغة الدلالة: «لقد طالت المحنة وحتى لا يحمل من جاء لمساندة اليمن ما لا يجب أن يحتمل، فإن الواجب اليوم أن يتحمل أبناء اليمن مسؤولية اليمن». وبعد ستة أشهر، جاءت افتتاحية صحيفة «عكاظ» السعودية، الصادرة في 21 أكتوبر 2026، بعنوان «تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين»، لتعيد طرح المعادلة السياسية ذاتها: أن جهود التحالف، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإرادة اليمنية، ولا أن تحقق غاياتها في غياب قوى وطنية قادرة على تحمل مسؤولياتها.

واللافت في هذا التقاطع ليس التشابه في العبارات، بل وحدة الإشكالية التي يعالجها الخطابان: أين تنتهي مسؤولية الحليف، وأين تبدأ مسؤولية أصحاب القضية؟

لقد وضع الشيخ الجابر إصبعه على معضلة جوهرية في الأزمة اليمنية؛ فالمساندة لا تعني انتقال المسؤولية من صاحب الوطن إلى من جاء لنصرته، كما أن استمرار الدعم لا يمنح القيادات المحلية إعفاءً دائماً من تبعات قراراتها وإخفاقاتها. فالحليف يستطيع توفير الإمكانات والفرص، لكنه لا يستطيع أن يصنع بالنيابة عن الآخرين إرادتهم السياسية أو كفاءتهم في الحكم.

غير أن خطاب الجابر تجاوز تشخيص المعضلة إلى طرح تصور لمعالجتها. فبينما ركزت «عكاظ» على مسؤولية اليمنيين عن التحرير واستعادة الدولة، ربط الشيخ الخروج من المأزق بإعادة بناء الدولة على أسس اتحادية، وتمكين الأقاليم من إدارة مواردها، وتحويل الثروة البشرية والموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية منتجة. ومن هنا جاء مشروعه لتهامة، بموانئها ومطاراتها ومؤسساتها التنموية والبحثية، بوصفه نموذجاً لإقليم فاعل ضمن يمن اتحادي قوي.

والسؤال الذي يواجه اليمن اليوم لم يعد مقتصراً على من يساعده على الخروج من محنته، بل من يمتلك الإرادة والرؤية والاستعداد للتنازل والإيثار والتضحية التي تحول دون استمراره في غياهب الحروب والمعاناة وتنقله إلى آفاق السلام والاستقرار وبناء دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية.
وهل سيظل اليمنيون العظماء، أحفاد التبابعة، وأهل الحكمة والإيمان، ينتظرون حلولاً تأتيهم من غيرهم، وهم أبناء الحضارة التي أسهمت في صناعة التاريخ، وكان أجدادهم ممن يقدمون الحلول ويشيّدون الدول ويصنعون أسباب القوة والازدهار؟ أم آن الأوان ليستعيدوا زمام المبادرة، ويتجاوزوا خلافاتهم، ويحوّلوا إرثهم الحضاري إلى مشروع وطني جامع، يبنون به دولتهم الاتحادية، ويصنعون مستقبلهم بأيديهم وبالسلام العادل لا بالاستقواء بالسلاح وبفوهات البنادق؟

Related Posts