بقلم: خليل القاضي
ليست كل الحروب تُقاس بعدد الصواريخ.
بعضها يُقاس بعدد السفن التي لم تصل إلى موانئها، بعدد المصانع التي خفّضت إنتاجها بصمت، بعدد الخوادم التي احتاجت كهرباء إضافية فلم تجدها في الوقت المناسب، وبعدد الدول التي اكتشفت فجأة أن “العولمة” أكثر هشاشة بكثير مما كانت تعتقد.
وهذا تحديداً ما جعل المقابلة الأخيرة للدكتور سلطان أحمد الجابر تتجاوز إطار الحوار الإعلامي التقليدي.
ظاهرياً، كانت المقابلة تتناول أزمة مضيق هرمز، وتداعيات الحرب، ومستقبل الطاقة.
لكن عملياً… كانت تتحدث عن شيء أكبر بكثير:
كيف يتغيّر معنى القوة في الشرق الأوسط، وكيف تحاول الإمارات التموضع داخل هذا التحول قبل غيرها.
وربما هنا النقطة الأهم.
الإمارات لا تتعامل مع ما جرى باعتباره أزمة عابرة ينبغي احتواؤها فقط، بل باعتباره لحظة تأسيسية لنظام طاقة وجغرافيا جديدين.
هرمز لم يعد مجرد مضيق
لسنوات طويلة، تعامل العالم مع مضيق هرمز باعتباره ممراً مضموناً بحكم العادة.
النفط يمر، الأسواق تتوتر قليلاً، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته.
لكن ما كشفته الأزمة الأخيرة هو أن الاقتصاد العالمي بُني فعلياً فوق افتراضات مريحة أكثر من اللازم.
حين يتحدث الجابر عن خسارة تتجاوز مليار برميل من النفط، وعن ارتفاعات حادة في أسعار الوقود والأسمدة والشحن، فهو لا يحاول فقط توصيف صدمة سوقية.
هو يقول شيئاً آخر بين السطور:
العالم دخل مرحلة أصبحت فيها الجغرافيا قادرة مجدداً على تعطيل الاقتصاد الكوني بالكامل، وهذا تطور بالغ الأهمية.
لأن العقود الثلاثة الماضية قامت على فكرة أن التكنولوجيا والعولمة والأسواق المفتوحة نجحت في “ترويض الجغرافيا”.
لكن هرمز أعاد شيئاً قديماً إلى الواجهة:
الممرات البحرية ما زالت تتحكم بإيقاع العالم أكثر مما تعترف به النماذج الاقتصادية الحديثة.
وربما لهذا بدت الأزمة مختلفة عن مجرد اضطراب نفطي.
فالحديث لم يعد فقط عن الطاقة، بل عن:
* الغذاء،
* الطيران،
* الأسمدة،
* الرقائق الإلكترونية،
* سلاسل التوريد،
* وحتى استقرار التضخم العالمي.
بكلام أبسط…
العالم اكتشف أن الاقتصاد الرقمي نفسه ما زال مربوطاً بجغرافيا مادية شديدة القسوة.
من حماية الممرات إلى إدارة الممرات
هناك تحول أعمق ظهر بوضوح في حديث الجابر، حتى لو لم يُقل بهذه الصيغة مباشرة.
الخليج لعقود كان يتحرك داخل معادلة تقوم على حماية تدفق الطاقة عبر الممرات البحرية.
أما الآن، فبعض دول الخليج — والإمارات تحديداً — بدأت تتحرك نحو مرحلة مختلفة: إدارة المخاطر الجيوطاقوية نفسها.
وهذا فرق هائل، حين تتحدث أبوظبي عن:
* خطوط أنابيب تتجاوز هرمز،
* تخزين استراتيجي،
* فائض احتياطي،
* مرونة لوجستية،
* تنويع مسارات التصدير،
* ودمج الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات،
فنحن لا نتحدث فقط عن إجراءات احترازية، بل عن إعادة هندسة كاملة لفكرة الأمن الطاقوي.
في السبعينيات، كان السؤال المركزي هو:
من يملك النفط؟
ثم أصبح السؤال لاحقاً:
من يستطيع إنتاج النفط بكفاءة أعلى؟
أما اليوم، فالسؤال يتحول بسرعة إلى:
من يستطيع إبقاء الطاقة متدفقة أثناء الفوضى؟
وهنا تحديداً تحاول الإمارات بناء ميزتها.
ليس فقط كمنتج طاقة، بل كدولة قادرة على إدارة التعقيد نفسه.
الإمارات لم تكن تدافع عن منشآت فقط
أحد أكثر المقاطع دلالة في المقابلة كان حديث الجابر عن استهداف الإمارات.
اللافت أنه لم يصف الأمر باعتباره هجوماً على بنية تحتية نفطية فقط، بل على “أسلوب حياة”.
قد تبدو العبارة عاطفية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة شديدة البراغماتية.
لأن الإمارات خلال العقدين الأخيرين لم تبنِ مشروعها فقط على النفط، بل على فكرة الاستقرار القابل للتصدير.
وهذا تعبير مهم.
فالدولة لم تسعَ إلى أن تكون مجرد مصدر للطاقة، بل منصة:
* للمال،
* والخدمات،
* والطيران،
* والذكاء الاصطناعي،
* والتكنولوجيا،
* وسلاسل الإمداد،
* والاستثمار العالمي.
ولهذا فإن استهداف المطارات أو المصافي أو حتى محطة براكة للطاقة النووية لم يكن يُقرأ فقط كاستهداف مادي، بل كمحاولة لضرب صورة “الاستقرار المستدام” التي بنتها الإمارات بعناية طوال سنوات.
لكن الأهم ربما لم يكن حجم الهجمات، بل ما حدث بعدها.
المطارات بقيت تعمل.
الأسواق لم تنهَر.
التدفقات الاستثمارية لم تتوقف.
والدولة استمرت بالحركة.
وهنا يظهر تحول مهم جداً في مفهوم الردع نفسه.
في السابق، كانت قوة الدولة تُقاس بقدرتها على منع الضربة.
أما اليوم، فجزء كبير من القوة يُقاس بقدرتها على مواصلة العمل بعد الضربة.
هذه ليست مجرد مرونة تشغيلية.
هذه فلسفة دولة كاملة.
المرونة لم تعد ترفاً اقتصادياً
الجابر كرر كلمة “المرونة” أكثر من مرة.
لكن المقصود هنا ليس المعنى الإداري التقليدي للكلمة.
هو يتحدث عن “اقتصاد مرن”، و”بنية تحتية مرنة”، و”شراكات مرنة”، وحتى “جغرافيا مرنة”.
أي بناء نظام يستطيع امتصاص الصدمة دون أن يفقد تماسكه.
ولعل المفارقة أن العالم طوال سنوات تعامل مع الكفاءة الاقتصادية باعتبارها الأولوية القصوى:
أقل تكلفة، أسرع تدفق، أقل مخزون، أعلى ربحية.
لكن الأزمات الأخيرة — من كورونا إلى أوكرانيا ثم هرمز — أعادت الاعتبار لفكرة كانت تبدو قديمة:
الاحتياط، والتكرار، والفائض، والبدائل.
أي أن “المرونة” أصبحت أحياناً أهم من “الكفاءة”.
وهذا تحول عالمي كبير، وليس إماراتياً فقط.
بل ربما يمكن القول إن العالم يدخل تدريجياً مرحلة “اقتصاديات الصمود”، حيث تصبح القدرة على الاستمرار أثناء الأزمات جزءاً من القيمة الاقتصادية نفسها.
الخروج من أوبك… إعادة تعريف للدور لا انسحاب منه
الجزء المتعلق بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وأوبك+ كان من أكثر الأجزاء حساسية.
لكن اللافت أن الجابر حاول تقديم القرار باعتباره “إعادة تموضع” أكثر منه قطيعة.
واستراتيجياً، هذا منطقي جداً.
لأن سوق الطاقة العالمي نفسه يتغير بسرعة:
* النفط ما زال أساسياً،
* لكن الغاز يتوسع،
* والكهرباء أصبحت مسألة سيادية،
* والذكاء الاصطناعي يضاعف الطلب على الطاقة،
* والبتروكيماويات والبنية الرقمية تتحول إلى أدوات نفوذ.
أي أن الدولة التي تريد الحفاظ على ثقلها الطاقوي خلال العقود القادمة لا يمكن أن تبقى محصورة داخل تعريف تقليدي لصناعة النفط.
ولهذا فإن الحديث عن منصة XRG، وعن الاستثمار في الغاز والبنية التحتية والكيميائيات والطاقة المتجددة، يعكس محاولة لبناء نفوذ متعدد الطبقات.
الإمارات هنا لا تريد فقط بيع الطاقة، هي تريد التموضع داخل كل مرحلة من مراحل النظام الطاقوي القادم.
من الجزيء… إلى الإلكترون… إلى البيانات.
الذكاء الاصطناعي ليس ثورة رقمية فقط
واحدة من أكثر الأفكار ذكاءً في المقابلة كانت الربط بين الذكاء الاصطناعي والطاقة.
حين يقول الجابر إن “سباق الذكاء الاصطناعي هو سباق إلكترونات”، فهو يختصر تحوّلاً عالمياً هائلاً.
لفترة طويلة، جرى التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ثورة برمجية.
لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ثورة كهربائية أيضاً.
الخوارزميات تحتاج طاقة.
ومراكز البيانات تحتاج طاقة.
والحوسبة العملاقة تحتاج طاقة.
وكميات أكبر بكثير مما كان العالم يتوقعه قبل سنوات قليلة فقط.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من التنافس الدولي.
لأن الدول التي تستطيع توفير:
* كهرباء مستقرة،
* غازاً منخفض التكلفة،
* بنية تحتية رقمية،
* وقدرات تبريد وتشغيل ضخمة،
ستتحول تلقائياً إلى مراكز ثقل في الاقتصاد العالمي القادم.
لهذا بدا حديث الجابر عن الغاز الطبيعي مهماً للغاية.
فهو لا يقدمه فقط كوقود انتقالي، بل كجزء من بنية السيادة الرقمية المقبلة.
والأهم من ذلك أن الإمارات لا تريد فقط تشغيل الذكاء الاصطناعي بالطاقة، بل استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم قطاع الطاقة نفسه.
وهنا تظهر النقلة التي تحدث عنها:
الانتقال من “الذكاء الرقمي” إلى “الذكاء الفيزيائي”.
أي تشغيل:
* البنية التحتية،
* الصيانة،
* الروبوتات،
* التفتيش،
* اللوجستيات،
* والإنتاج،
عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متصلة بالعالم المادي مباشرة.
بصراحة…
هذه ليست مجرد كفاءة تشغيلية.
إنها بداية إعادة تعريف للصناعة الثقيلة نفسها.
العلاقة مع أمريكا تتحول بهدوء
اللافت أيضاً أن حديث الجابر عن الولايات المتحدة لم يكن كلاسيكياً.
لم يتحدث عن معادلة “النفط مقابل الأمن” التي حكمت العلاقات الخليجية–الأمريكية لعقود.
بل عن استثمار مشترك في “اقتصاد القرن القادم”.
وهذا يعكس تحولاً حقيقياً.
حين تستثمر الإمارات مئات المليارات داخل الولايات المتحدة في:
* الطاقة،
* والغاز،
* وأشباه الموصلات،
* والبنية الرقمية،
* ومراكز البيانات،
* والتصنيع المتقدم،
فنحن لا نتحدث عن علاقات تجارية فقط، بل عن تشابك عميق داخل البنية الاقتصادية للنظام العالمي القادم.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم الاستراتيجيات الإماراتية الحالية:
تحويل النفوذ المالي إلى نفوذ بنيوي طويل الأمد.
أي أن تصبح جزءاً من تشغيل النظام العالمي نفسه، لا مجرد مستفيد منه.
ما الذي تحاول الإمارات بناءه فعلياً؟
ربما يمكن اختصار الفكرة كلها على الشكل التالي:
الإمارات تحاول الانتقال من دولة نجحت في إدارة الثروة النفطية… إلى دولة تدير تعقيد الطاقة العالمي نفسه.
وهذا فرق ضخم.
لأن ما بعد هرمز لن يشبه ما قبله.
العالم يتحرك نحو مرحلة:
* أكثر اضطراباً،
* أكثر تنافساً،
* وأكثر اعتماداً على البنية التحتية الحرجة،
* والطاقة،
* والبيانات،
* وسلاسل الإمداد.
وفي هذا العالم، لن تكفي الثروة وحدها.
ولن يكفي النفط وحده.
وربما حتى القوة العسكرية وحدها لن تكون كافية.
الأفضلية ستذهب لمن يستطيع الجمع بين:
الطاقة، والذكاء الاصطناعي، واللوجستيات، والاستثمار، والثقة الدولية، والمرونة… داخل نموذج واحد متماسك.
ولهذا ربما لم تكن الجملة الأخيرة التي قالها الجابر مجرد خاتمة خطابية. “المرونة ليست حظاً… بل ما تبنيه قبل وقوع الهجوم.” في الحقيقة، هذه ليست فقط فلسفة إدارة أزمة. قد تكون فلسفة النظام العالمي القادم كله.













