عبد السيد وشبكة الإخوان في أميركا.. حين يدخل الإسلام السياسي إلى صندوق الاقتراع

بقلم: ماريا معلوف

لم يعد السؤال في سباق ميشيغان الانتخابي هو: من يمول عبد السيد؟ السؤال الأخطر أصبح: من هي الشبكة التي تقف خلفه، وما طبيعة العلاقات التي تربط هذه الشبكة بتاريخ الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في الولايات المتحدة؟
هذه ليست محاولة للبحث عن علاقة عابرة بين مرشح سياسي وشخصية مسلمة أميركية. القضية، وفق المعلومات التي كشفها تحقيق «واشنطن فري بيكون»، تتعلق بسلسلة مترابطة من المال والعائلة والمؤسسات والنشاط السياسي، تبدأ من والد زوجة عبد السيد، جوكاكو طيب، وتنتهي عند لجنة سياسية تنفق لمصلحة المرشح في سباقه الديمقراطي. وفي منتصف هذه السلسلة تظهر مؤسسات إسلامية أميركية ارتبط اسم بعضها، تاريخياً وقضائياً، بملفات تتعلق بالإخوان المسلمين وحماس.
وهنا تصبح قصة عبد السيد أكثر تعقيداً من مجرد انتخابات تمهيدية في ميشيغان. إنها قصة شبكة نفوذ قديمة تبحث عن موطئ قدم داخل السياسة الأميركية الجديدة.
تبرع جوكاكو طيب، والد زوجة عبد السيد، بمبلغ 200 ألف دولار إلى لجنة «Fighting for Michigan PAC» الداعمة لعبد السيد. المبلغ ليس تفصيلاً صغيراً، فبحسب التحقيق كان يمثل قرابة نصف الأموال التي جمعتها اللجنة حتى نهاية مارس/آذار. أي أننا لا نتحدث عن متبرع عادي قدم مساهمة انتخابية محدودة، بل عن شخص قدم دفعة مالية ضخمة إلى لجنة سياسية تعمل على تعزيز فرص صهره في الوصول إلى الترشيح الديمقراطي.

لكن قيمة المال ليست وحدها التي تستحق التدقيق. السؤال الحقيقي هو: من هو جوكاكو طيب؟
بحسب المعلومات الواردة في التحقيق، فإن طيب عضو منذ سنوات طويلة في لجنة التأسيس التابعة للجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية «ISNA»، وهي مؤسسة تتمتع بحضور واسع داخل المجتمع الإسلامي الأميركي. لكن اسم ISNA ليس اسماً هامشياً في تاريخ الإسلام السياسي الأميركي. ففي قضية مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، التي تحولت إلى واحدة من أشهر قضايا تمويل حماس في الولايات المتحدة، أدرجت السلطات الفيدرالية ISNA ضمن الجهات التي وصفتها بأنها «متآمر غير متهم». وهذه الصفة القانونية لا تعني إدانة جنائية لـISNA، لكنها تعني أن المؤسسة ظهرت في ملف قضائي أميركي شديد الحساسية، وأن القضاء نظر في الأدلة المتعلقة بعلاقاتها ضمن ذلك الملف.

وتشير المادة إلى تاريخ أوسع يربط ISNA بالبنية التنظيمية التي نشأت حول اتحاد الطلاب المسلمين، وهي البيئة التي يربطها باحثون بتاريخ تشكل جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة. وهنا تبدأ الحلقة التي تجعل اسم عبد السيد سياسياً مثيراً للاهتمام.
الإخوان لا يظهرون دائماً على ورقة الاقتراع، وهذه نقطة أساسية في فهم طبيعة النفوذ السياسي للشبكات الإسلامية في الولايات المتحدة. فالبحث عن اسم الجماعة على واجهة كل مؤسسة قد يؤدي إلى قراءة سطحية للمشهد. الأهم هو الشبكات البشرية والمؤسساتية التي تتقاطع فيها الشخصيات والمنظمات والتمويل والنشاط المجتمعي والسياسي.

ولهذا يصبح وجود شخصية مثل طيب داخل مؤسسة ذات تاريخ مرتبط بهذه الشبكات مسألة تستحق الفحص عندما تنتقل الأموال من تلك الدائرة إلى لجنة انتخابية تدعم مرشحاً يريد الوصول إلى السلطة.
فالمعادلة هنا ليست أن عبد السيد عضو في الإخوان المسلمين، إذ لا تقدم المعلومات المتاحة دليلاً مباشراً على ذلك. لكن المعادلة التي يمكن طرحها بقوة هي أن عبد السيد يتلقى دعماً مالياً كبيراً من شخصية ذات تاريخ طويل داخل مؤسسات ارتبط بعضها في السجل الأميركي بشبكات الإسلام السياسي التي كان للإخوان المسلمين دور تاريخي في بنائها.

وهذا فرق بالغ الأهمية، لأنه ينقل النقاش من الاتهام المباشر إلى السؤال الأكثر عمقاً: هل أصبحت حملة عبد السيد نقطة التقاء سياسية لشخصيات وشبكات تنحدر من البيئة التاريخية للإسلام السياسي الأميركي المرتبطة بالإخوان؟

إذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نتحدث عن علاقة شخصية عابرة، بل عن انتقال محتمل لشبكة نفوذ من المؤسسات المجتمعية إلى قلب العملية الانتخابية.
وإذا كان اسم ISNA يمثل الحلقة الأولى، فإن مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية «CAIR» يمثل الحلقة الثانية. فجوكاكو طيب شغل، وفق السجلات التي أوردها التحقيق، منصب رئيس فرع CAIR في ميشيغان بين عامي 2005 و2010، ولا يزال عضواً في مجلس إدارة الفرع.
وCAIR بدوره ورد اسمه في قضية مؤسسة الأرض المقدسة بوصفه «متآمراً غير متهم». وهكذا لا نجد مؤسسة واحدة فقط، وإنما سلسلة من المؤسسات التي تحرك فيها الشخص نفسه: ISNA، وCAIR، ثم المال السياسي، ثم حملة عبد السيد.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً. إنها ليست علاقة بين مرشح ومتَبرع فقط، وإنما علاقة بين مرشح وشخصية ذات جذور مؤسساتية عميقة داخل جزء من الشبكة الإسلامية السياسية الأميركية.
المشكلة ليست أن عبد السيد متزوج من ابنة رجل مسلم، وليست أن والد زوجته ناشط في المجتمع الإسلامي، وليست أن المسلمين الأميركيين يريدون تمثيلاً سياسياً. هذه كلها أمور طبيعية في الديمقراطية الأميركية.
المشكلة السياسية تبدأ عندما يتحول شخص ذو تاريخ مؤسساتي طويل إلى ممول رئيسي للجنة سياسية تعمل من أجل وصول صهره إلى السلطة. عندها يصبح السؤال مشروعاً: هل انتقل نفوذ شبكة كانت تعمل تاريخياً من خلال المؤسسات المجتمعية إلى العمل مباشرة داخل الانتخابات الأميركية؟

إذا كان الجواب نعم، فإن قضية عبد السيد تصبح أكبر من حملة انتخابية. تصبح نموذجاً لتحول النفوذ من المجتمع إلى السياسة، ومن النشاط إلى التمويل، ومن التمويل إلى السلطة.
وتزداد المفارقة حدة عندما نضع ذلك أمام خطاب عبد السيد نفسه. فالمرشح يقدم نفسه بوصفه معارضاً لنفوذ المال السياسي، وينتقد جماعات الضغط والإنفاق السياسي، ويرفع شعار إخراج المال من السياسة. لكن لجنة سياسية تعمل لمصلحته تحصل على 200 ألف دولار من والد زوجته.
وهنا يستطيع خصومه أن يطرحوا السؤال الذي لا يريد أي مرشح سماعه: هل المشكلة في المال السياسي نفسه، أم في المال السياسي عندما يأتي من الطرف الآخر؟
إذا كان المال القادم من جماعات الضغط خطراً لأنه قد يؤثر في القرار السياسي، فلماذا لا ينبغي فحص المال القادم من شبكة مرتبطة بالدائرة العائلية والسياسية للمرشح؟ وإذا كانت جماعات الضغط تمثل خطراً على استقلال السياسي، فهل تصبح الشبكات السياسية والدينية أقل خطورة لمجرد أنها تتحرك في الاتجاه الأيديولوجي الذي يفضله المرشح؟

هذه ليست أسئلة معادية للمسلمين، وليست أسئلة ضد العرب، ولا ينبغي أن تتحول إلى هجوم على أي جماعة دينية. إنها أسئلة عن الشفافية ومصادر النفوذ، وهي الأسئلة نفسها التي يجب طرحها على أي سياسي أميركي، بصرف النظر عن دينه أو خلفيته أو القاعدة الانتخابية التي يخاطبها.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم سبب أهمية الإشارة إلى الإخوان المسلمين. ليس المطلوب إثبات معادلة مبسطة تقول إن «عبد السيد إخواني»، لأن المعلومات المتاحة لا تثبت ذلك. المطلوب هو فحص ما إذا كانت شبكة من الشخصيات والمؤسسات ذات التاريخ المرتبط بالإسلام السياسي والإخوان المسلمين قد وجدت في عبد السيد فرصة للانتقال من التأثير المجتمعي إلى التأثير الانتخابي.

فالتنظيمات السياسية لا تحتاج دائماً إلى وضع شعارها على باب الحملة حتى يكون لها تأثير. أحياناً يكون النفوذ في العلاقات، وأحياناً في المال، وأحياناً في من يعرف من، وأحياناً في القدرة على تعبئة الناخبين والتأثير في الخطاب العام.

وهذا بالضبط ما يجعل حالة عبد السيد جديرة بالبحث.
ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن ديربورن، التي تمثل واحدة من أهم مراكز الثقل العربي والمسلم في السياسة الأميركية. أي مرشح ديمقراطي في ميشيغان يعرف أن الوصول إلى هذه القاعدة الانتخابية يمكن أن يكون حاسماً، ولذلك فإن بناء علاقة قوية معها أمر طبيعي سياسياً.

لكن السؤال يبدأ عندما يتحول هذا التواصل إلى اعتماد سياسي على شبكة منظمة تستطيع تعبئة هذه القاعدة وتمويل الحملة والتأثير في اتجاهاتها.
هنا يظهر الفرق بين تمثيل الناخبين وبين الارتهان لشبكات النفوذ.

والمشكلة بالنسبة لعبد السيد لا تتوقف عند المال. فالمادة التي نشرها «واشنطن فري بيكون» تورد سلسلة من الوقائع المتعلقة بمواقف عبد السيد وتحالفاته، من ظهوره إلى جانب ناشطين مؤيدين للقضية الفلسطينية ومثيرين للجدل، إلى الجدل حول بعض العاملين السابقين في حملته، وصولاً إلى ما نُسب إليه من محاولة تجنب الحديث عن المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بسبب حساسية الموضوع لدى بعض الناخبين في ديربورن.

هذه الوقائع لا تثبت وحدها عضوية تنظيمية في الإخوان المسلمين، لكنها تضيف إلى السؤال الأكبر: ما طبيعة البيئة السياسية التي يريد عبد السيد أن يبني تحالفه الانتخابي من خلالها؟

وهنا لا يعود التمويل منفصلاً عن الخطاب، ولا الخطاب منفصلاً عن القاعدة الانتخابية، ولا القاعدة الانتخابية منفصلة عن الشبكات التي تستطيع تنظيمها وتمويلها.

يمكن اختصار المشهد كله في ثلاث دوائر متداخلة: دائرة العائلة، حيث يقف والد الزوج في قلب التمويل؛ ودائرة الشبكة المؤسساتية، حيث يتحرك والد الزوج داخل ISNA وCAIR، وهما مؤسستان ظهرتا في ملفات أميركية تاريخية تتعلق بشبكات مرتبطة بالإخوان وحماس؛ ثم دائرة السياسة الانتخابية، حيث ينتقل المال إلى لجنة سياسية تستخدمه لمساعدة عبد السيد على الفوز.

وعندما تلتقي الدوائر الثلاث، تصبح القصة أكبر من مجرد علاقة عائلية. تصبح شبكة نفوذ تستحق المساءلة.
والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه هو: ماذا تريد شبكات الإسلام السياسي من السياسة الأميركية؟

إذا كانت هناك شبكات أميركية ذات جذور تاريخية في بيئة الإخوان المسلمين، فإن السؤال ليس فقط أين توجد هذه الشبكات، وإنما كيف تطورت استراتيجيتها. هل انتقلت من النشاط المجتمعي إلى التأثير السياسي المباشر؟ هل أصبح الوصول إلى المجالس المحلية والكونغرس والحزب الديمقراطي جزءاً من استراتيجية طويلة المدى؟ هل تحولت المؤسسات الإسلامية إلى خزانات انتخابية يمكن تعبئتها في اللحظات الحاسمة؟ وهل أصبح المال السياسي الوسيلة الجديدة لتوسيع النفوذ؟

هذه أسئلة أكبر من عبد السيد، لكن حملته توفر نموذجاً عملياً لدراسة هذه الظاهرة.

ولذلك، فإن السؤال ليس فقط: هل عبد السيد عضو في جماعة الإخوان المسلمين؟
السؤال الأكثر أهمية هو: هل أصبح عبد السيد، عن قصد أو بحكم التحالفات الانتخابية، نقطة وصول سياسية لشبكة من الشخصيات والمؤسسات التي تحمل إرثاً تاريخياً مرتبطاً بالإسلام السياسي والإخوان المسلمين في الولايات المتحدة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يحدث في ميشيغان يتجاوز حدود حملة انتخابية عادية. إنه اختبار لمدى قدرة شبكات الإسلام السياسي على الانتقال من المؤسسات المجتمعية إلى صناديق الاقتراع، ومن النشاط المدني إلى التمويل الانتخابي، ومن النفوذ الاجتماعي إلى محاولة صناعة القرار السياسي.
وهنا تصبح قصة الـ200 ألف دولار أكثر من رقم.
إنها خيط يكشف شبكة.
والشبكة تكشف نفوذاً.
والنفوذ يطرح السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام عبد السيد:
هل هو سياسي يصنع شبكته السياسية بنفسه، أم أن شبكة سياسية أقدم وأكثر تنظيماً وجدت فيه فرصة جديدة للوصول إلى السلطة؟
في السياسة، قد لا يكتب الممول برنامج المرشح، وقد لا يظهر اسم الشبكة على ملصقات الحملة، لكن المال يفتح الأبواب، والتنظيم يحشد الأصوات، والعلاقات تصنع النفوذ.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: من يمول الطريق إلى السلطة، ومن يقف خلف هذا الطريق، وإلى أين يريد أن يصل؟

Related Posts