محمد العبار… وحين يصبح النجاح في مرمى النيران

بقلم: ماريا معلوف

في عالم الاقتصاد، لا تُقاس قيمة المستثمر بحجم ثروته، بل بحجم الأثر الذي يتركه في البلد الذي اختار أن يستثمر فيه. وحين يصبح هذا المستثمر هدفًا لانتقادات تتجاوز مناقشة القرارات إلى التشكيك في التجربة بأكملها، فإن القضية لا تعود مرتبطة بشخصه، بل بصورة الدولة التي يعمل على أرضها، وبالثقة التي تحتاجها أي بيئة استثمارية كي تستمر في جذب رؤوس الأموال.

هذا هو المشهد الذي يحيط اليوم برجل الأعمال الإماراتي محمد العبار.

فما بدأ خلافًا حول إجراءات تنظيمية داخل مشروع “مراسي” في الساحل الشمالي، تحول خلال أيام إلى حالة من الضجيج الإعلامي والرقمي، اختلطت فيها الوقائع بالانطباعات، حتى غاب السؤال الأهم: ماذا قدم محمد العبار لمصر طوال ما يقارب عشرين عامًا؟

فالعبار ليس مستثمرًا عابرًا جاء بحثًا عن مكسب سريع ثم غادر عند أول أزمة، بل أحد أبرز المستثمرين العرب الذين راهنوا على السوق المصرية، وضخوا مليارات الجنيهات في وقت كانت فيه البلاد تحتاج إلى رؤوس أموال تثق بمستقبلها.

ومنذ دخول “إعمار مصر” عام 2006، لم يكتف الرجل ببناء مشروعات عقارية، بل أسهم في ترسيخ نموذج جديد للمجتمعات العمرانية المتكاملة، حيث لا تنتهي مسؤولية المطور عند بيع الوحدة، وإنما تبدأ بعدها عبر الإدارة والصيانة والخدمات والضيافة والحفاظ على قيمة الاستثمار لسنوات طويلة.

ومن “أب تاون كايرو” إلى “ميفيدا”، ومن “مراسي” إلى “كايرو جيت” و”بيل ڤي” و”سول”، وصولًا إلى المشروعات الجديدة على ساحل البحر الأحمر، استطاعت “إعمار” أن تقدم نموذجًا مختلفًا رفع سقف المنافسة داخل السوق العقارية المصرية، ودفع كثيرًا من المطورين إلى إعادة النظر في مفهوم جودة الحياة وإدارة المجتمعات السكنية، حتى أصبحت جودة التشغيل عنصرًا أساسيًا في قيمة المشروع، لا تقل أهمية عن موقعه أو تصميمه.

ولهذا، فإن اختزال هذه المسيرة الطويلة في خلاف إداري داخل مشروع واحد، لا يبدو منصفًا لا بحق المستثمر، ولا بحق تجربة استثمارية أصبحت إحدى قصص النجاح في السوق المصرية.

ولا شك أن بعض الملاك أبدوا اعتراضات على إجراءات تنظيمية داخل “مراسي”، ومن حقهم الكامل أن يعترضوا أو يلجأوا إلى القضاء إذا رأوا أن بعض القرارات تمس حقوقهم. فهذه دولة قانون، والقضاء هو الجهة المختصة بالفصل في مثل هذه النزاعات.

لكن من الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن المجتمعات العمرانية الراقية لا يمكن أن تُدار بمنطق الفوضى.

ففي مختلف المنتجعات العالمية، توجد لوائح واضحة تنظم دخول الضيوف، وتحافظ على خصوصية الملاك، وتمنع إساءة استخدام المرافق، وتضمن استمرار مستوى الخدمات الذي دفع العملاء ثمنه منذ البداية.

ومن هذا المنطلق، جاءت أنظمة التصاريح الإلكترونية (QR Code) وآليات تنظيم الدخول. قد تختلف الآراء حول تفاصيل التطبيق، وربما تحتاج بعض الإجراءات إلى مراجعة أو تطوير، لكن فكرة التنظيم نفسها ليست استثناءً في “مراسي”، بل جزء من فلسفة إدارة المجتمعات الحديثة التي تقوم على النظام، لا العشوائية.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يخرج رجل الأعمال نجيب ساويرس مدافعًا عن محمد العبار، معتبرًا أن ما يتعرض له يمثل “حملة مصطنعة”، ومؤكدًا أن جميع المنتجعات والقرى السياحية لديها لوائح يجب أن تُطبق بما يحقق العدالة بين أصحاب الوحدات ونزلاء الفنادق والزوار. وسواء اتفق البعض مع تقييم ساويرس أو اختلف معه، فإن الرسالة التي طرحها تستحق التأمل: نجاح أي مشروع كبير لا يقوم على غياب القواعد، بل على احترامها.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع اليوم ليس: هل توجد ملاحظات على بعض الإجراءات؟ فهذا أمر طبيعي في أي مشروع ضخم.

السؤال الحقيقي هو: هل يجوز أن يتحول خلاف تشغيلي إلى عدسة يُنظر من خلالها إلى مستثمر أمضى قرابة عقدين وهو يضخ استثماراته في مصر، ويوسع مشروعاته عامًا بعد آخر؟

إن الدول التي تتنافس على جذب الاستثمارات لا تكتفي بتوفير الأراضي والتسهيلات، بل تبني أيضًا مناخًا من الثقة، لأن رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار، وعن بيئة تُناقش فيها الخلافات داخل المؤسسات، لا عبر محاكمات الرأي العام.

ولا أحد يطالب بمنح أي مستثمر حصانة من النقد أو المساءلة، فذلك يتعارض مع أبسط قواعد دولة القانون. لكن العدالة تقتضي أيضًا ألا يتحول أي خلاف إلى حكم نهائي على مستثمر، أو إلى تشكيك في تجربة استثمارية أثبتت حضورها على مدار سنوات.

لقد أسهم محمد العبار، عبر استثماراته، في خلق آلاف فرص العمل، وتطوير وجهات أصبحت من أبرز معالم السياحة والعقار في مصر، وأسهم في تعزيز مكانة السوق المصرية كوجهة جاذبة للاستثمارات الإقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن حماية هذه الصورة لا تقل أهمية عن حماية أي حق قانوني آخر. فنجاح مصر في استقطاب المستثمرين الكبار لا يتحقق بالشعارات، وإنما برسالة واضحة مفادها أن الدولة تحمي حقوق الجميع؛ المستثمر، والعميل، وسيادة القانون، وأن أي نزاع يُحسم عبر المؤسسات المختصة.

وفي النهاية، قد يختلف الناس حول قرار إداري، أو يعترضون على لائحة، أو يطالبون بتعديل إجراءات، لكن ما لا ينبغي أن يكون محل خلاف هو أن المستثمر الذي اختار مصر، واستثمر فيها لعشرين عامًا، وواصل التوسع فيها رغم التحديات، يستحق أن تُقيَّم تجربته بميزان الإنجاز، لا بضجيج اللحظة.

فنجاح الدول لا يُقاس بقدرتها على جذب المستثمرين فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على ثقتهم. والتاريخ لا يتذكر الضجيج الذي رافق المستثمرين الكبار، بل يتذكر ما تركوه من مدن، ووظائف، واستثمارات. ومحمد العبار سيُقاس في النهاية بما بناه على الأرض، لا بما كُتب عنه على منصات التواصل.

Related Posts