ضياء الكواز يكتب
منذ أكثر من عشرين عاماً والعراقيون يسمعون عن الديمقراطية والدستور والانتخابات، لكن الواقع الذي يعيشه الناس يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالدولة التي يفترض أن تكون بيد مؤسساتها وقوانينها، أصبحت في نظر كثيرين رهينة شبكة نفوذ معقدة تُعرف اليوم باسم الدولة العميقة.
هذه الدولة العميقة لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها تتحكم في القرار. لا تقف أمام الكاميرات، لكنها تقف خلف الحكومات. تتبدل الوجوه في الانتخابات، لكن المنظومة نفسها تبقى جالسة في مكانها، تمسك بخيوط اللعبة السياسية والأمنية والاقتصادية.
في قلب هذه المنظومة يقف تحالف غير معلن بين السياسة والسلاح والنفوذ داخل مؤسسات الدولة. أسماء مثل فائق زيدان في القضاء، ونوري المالكي في مركز القرار السياسي، وهادي العامري وقيس الخزعلي في منظومة الفصائل المسلحة، أصبحت بالنسبة لكثير من العراقيين رموزاً لنفوذ متشابك صنع طبقة حاكمة يصعب اختراقها.
القضاء الذي يفترض أن يكون حارس الدستور تحوّل، في نظر منتقديه، إلى جزء من معادلة السلطة. فالقرارات المصيرية التي رسمت شكل الحكومات لم تكن دائماً بعيدة عن الصراع السياسي. وعندما يفقد القضاء مسافة الأمان بينه وبين السياسة، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زال القضاء حكماً بين الخصوم، أم أصبح لاعباً داخل الملعب؟
أما في السياسة، فإن تجربة السنوات الماضية كشفت أن بعض القيادات التي حكمت البلاد طويلاً لم تبنِ دولة بقدر ما بنت شبكة نفوذ. شبكة تعتمد على التحالفات الطائفية والمصالح الحزبية والسلاح المنفلت، وتستند في كثير من الأحيان إلى دعم إقليمي واضح التأثير في القرار العراقي.
في موازاة ذلك، ظهرت الفصائل المسلحة التي أصبحت جزءاً من المشهد السياسي والأمني في آن واحد. سلاحها حاضر، ونفوذها السياسي حاضر، وقدرتها على التأثير في القرار لا يمكن إنكارها. هذا الواقع خلق دولة مزدوجة: دولة رسمية على الورق، ودولة أخرى تتحرك في الظل وتفرض توازناتها على الجميع.
المفارقة أن هذه الشبكة لا تعمل وحدها. فهناك قوى سياسية أخرى دخلت في منظومة التفاهمات والصفقات، حتى تلك التي ترفع شعارات مختلفة في الإعلام. شخصيات سنية بارزة مثل محمد الحلبوسي وخميس الخنجر ومثنى السامرائي، وغيرها من القوى السياسية، أصبحت جزءاً من معادلة سياسية معقدة تقوم على تبادل المصالح وتقاسم النفوذ.
في العلن تبدو الخلافات حادة، وفي الخفاء تستمر التفاهمات. وهكذا يجد العراقي نفسه أمام مسرح سياسي تتغير فيه الأدوار والخطابات، لكن النتيجة تبقى واحدة: منظومة نفوذ تحافظ على نفسها مهما تغيرت الحكومات.
المشكلة ليست في الاختلاف السياسي، فذلك أمر طبيعي في أي دولة. المشكلة أن يتحول الخلاف إلى واجهة تخفي وراءها شبكة مصالح ضخمة تتحكم بالاقتصاد والسياسة والسلاح. عندها تصبح الدولة ضعيفة، ويصبح القانون انتقائياً، وتصبح السيادة شعاراً أكثر منها واقعاً.
العراق بلد غني بالموارد وبالطاقات البشرية، لكنه يعيش منذ سنوات تحت ثقل هذه المنظومة التي جعلت الدولة تبدو وكأنها رهينة لصراعات النفوذ. المواطن يدفع الثمن دائماً: خدمات متدهورة، اقتصاد متعثر، وبلد يظل عالقاً في أزمات لا تنتهي.
ويبقى السؤال الكبير الذي يطرحه الشارع العراقي اليوم:
هل يستطيع العراق يوماً أن يتحرر من قبضة هذه الدولة العميقة، ويستعيد دولته الحقيقية؟
أم أن هذه الشبكة ستبقى تتحكم بمصير البلاد، مهما تبدلت الوجوه وتغيرت الشعارات؟
التاريخ وحده سيجيب، لكن المؤكد أن الشعوب قد تصبر طويلاً… لكنها في النهاية لا تنسى من أوصلها إلى هذا الطريق.













