بقلم : الدكتور عبد العزيز طارقجي
ليست كل الدول التي تملك الثروة قادرة على تحويلها إلى رسالة.
بعض الدول تكتفي ببناء الاقتصاد.
ودول أخرى تبني النفوذ.
لكن دولاً قليلة فقط تنجح في بناء مكانة أخلاقية في العالم.
الإمارات واحدة من هذه الدول. والسبب يعود إلى رؤية مؤسسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الرجل الذي لم ينظر إلى الثروة باعتبارها امتيازاً سيادياً فحسب، بل مسؤولية إنسانية أيضاً.
لهذا السبب، لا يبدو الاحتفاء بـ يوم زايد للعمل الإنساني مجرد استذكار سنوي لرحيل قائد تاريخي، بل مناسبة تعكس فلسفة كاملة في الحكم والسياسة. فلسفة تقوم على فكرة واضحة: أن الإنسان يجب أن يبقى دائماً في صدارة الأولويات.
عندما تأسست دولة الإمارات عام 1971، كان العالم يعيش تحولات سياسية واقتصادية كبرى. دول كثيرة انشغلت بتثبيت أركانها الداخلية، وأخرى ركزت على بناء نفوذها الإقليمي. أما الشيخ زايد فاختار طريقاً مختلفاً: أن يجعل من العمل الإنساني جزءاً من هوية الدولة منذ لحظة التأسيس.
لم يكن ذلك خياراً دعائياً أو سياسياً عابراً. كان رؤية طويلة المدى. فقد أدرك الشيخ زايد أن قوة الدول في العصر الحديث لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل أيضاً بقدرتها على التأثير الإيجابي في حياة الشعوب الأخرى.
من هنا بدأت الإمارات في بناء ما يمكن تسميته اليوم بـ”الدبلوماسية الإنسانية”. فالمساعدات التي قدمتها الدولة لم تكن مرتبطة باعتبارات سياسية ضيقة، ولم تُستخدم كورقة ضغط أو أداة نفوذ. بل انطلقت من مبدأ بسيط: أن الإنسان يستحق المساعدة أينما كان.
هنا، في منتصف الطريق، يمكن للقارئ أن يعي حقيقة لافتة: في كثير من الدول، تُستثمر المساعدات لتوسيع النفوذ أو الضغط السياسي، أما في الإمارات فالأولوية هي الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
الأرقام تعكس جانباً من هذه الرؤية. فخلال الفترة الممتدة من عام 1971 حتى عام 2004، قدمت الإمارات في عهد الشيخ زايد مساعدات إنسانية وتنموية تجاوزت 90.5 مليار درهم، استفادت منها أكثر من 117 دولة حول العالم.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في طبيعة المشاريع التي رافقتها. فقد ركزت المساعدات الإماراتية على مشاريع تنموية مستدامة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية والمياه والطاقة. أي أنها لم تقتصر على الإغاثة الطارئة، بل استهدفت معالجة جذور الأزمات.
وبالمقارنة، كثير من الدول الكبرى تتحرك وفق حسابات مصالح ضيقة، فتتحول المساعدات إلى أدوات نفوذ، بينما الإمارات اختارت أن تجعل العطاء جسراً للتعاون، ليس فقط داخل حدودها، بل مع شعوب متعددة القارات.
بهذا المعنى، لم يكن العطاء الإماراتي مجرد تضامن إنساني مع الكوارث، بل استثماراً في مستقبل المجتمعات الأقل حظاً.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه الرؤية إلى منظومة مؤسسية متكاملة. فقد تأسست مؤسسات إنسانية وتنموية أصبحت اليوم من أبرز الفاعلين في مجال الإغاثة الدولية، مثل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية وصندوق أبوظبي للتنمية.
هذه المؤسسات لم تكتفِ بتنفيذ مشاريع المساعدات، بل أسهمت في ترسيخ صورة الإمارات كقوة إنسانية مؤثرة في العالم. قوة لا تعتمد فقط على الاقتصاد أو النفوذ السياسي، بل على القدرة على تخفيف معاناة البشر.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على قيام الاتحاد، يتضح أن النهج الذي أرساه الشيخ زايد لم يكن مرتبطاً بمرحلة تاريخية محددة، بل أصبح جزءاً من سياسة الدولة. فقد أطلق رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مبادرة “إرث زايد الإنساني” بقيمة 20 مليار درهم، في خطوة تعكس استمرار الدور الإنساني للإمارات على المستوى العالمي.
وفي السياق ذاته، شدد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم على أن يوم زايد للعمل الإنساني يمثل مناسبة يتجدد فيها العهد على مواصلة مسيرة العطاء، وعلى بقاء العمل الإنساني ركناً أساسياً في رؤية الدولة.
هذه الاستمرارية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة العالم المعاصر. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدول على الإسهام في مواجهة التحديات الإنسانية التي تعصف بالبشرية.
ومن هنا تبدو التجربة الإماراتية نموذجاً لافتاً. فهي تجربة نجحت في الجمع بين الإغاثة العاجلة والتنمية المستدامة، بين الاستجابة للأزمات والعمل على منع تكرارها.
وهنا تكمن الجملة الرمزية الأخيرة: إن الرحمة ليست مجرد شعور، بل سياسة ناجحة يمكن أن تغيّر مصير أمة وملايين البشر معها.
في يوم زايد للعمل الإنساني، لا تحتفي الإمارات بذكرى قائد فقط، بل تؤكد أن العطاء يمكن أن يكون سياسة، وأن الرحمة يمكن أن تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على صنع الفرق في العالم.
وهذا هو الدرس الأهم الذي تركه زايد:
أن الدولة القوية ليست تلك التي تملك الكثير فحسب، بل تلك التي تعطي الكثير أيضاً.













