محمد بن زايد في موسكو: دبلوماسية التوازن في زمنالحروب المفتوحة

بقلم: خليل القاضي

تأتي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى العاصمة الروسية موسكو في توقيت بالغ الدقة، حيث يشهد النظام الدولي اختلالات عميقة وتتصاعد فيه الحروب المفتوحة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وسط عجز القوى الكبرى عن إنتاج مسارات سياسية مستقرة. في هذا السياق، لا يمكن قراءة الزيارة بوصفها محطة ثنائية تقليدية، بل كتحرك محسوب ضمن دبلوماسية إماراتية واعية لطبيعة اللحظة، وتدرك أن إدارة الأزمات لا تمر عبر الاصطفاف، بل عبر تثبيت معادلات التوازن.

العلاقة الإماراتية–الروسية ليست علاقة ظرفية، بل نتاج مسار تراكمي يمتد لأكثر من خمسة عقود، تطور خلالها التعاون من تبادل دبلوماسي تقليدي إلى شراكة استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة والثقة السياسية بين القيادتين. هذا ما عبّر عنه الكرملين بوضوح، حين أكد أن الحوار بين الشيخ محمد بن زايد والرئيس فلاديمير بوتين يسمح بمناقشة أكثر القضايا تعقيدًا بصراحة وفعالية، وهي عبارة تختصر عمق العلاقة ونضجها السياسي.

ما يضفي على الزيارة طابعها الاستثنائي هو تزامنها مع تحركات ملموسة على خط الأزمة الأوكرانية، لا سيما بعد انعقاد أول مباحثات مباشرة بين موسكو وكييف في أبوظبي، في خطوة كسرت جمودًا سياسيًا طويلًا. هنا، تبرز الإمارات بوصفها مساحة موثوقة للحوار، قادرة على استضافة الخصوم دون أن تتحول إلى طرف، وعلى إدارة الملفات الإنسانية والسياسية دون ضجيج أو استثمار إعلامي.

لم تدخل أبوظبي إلى هذا المسار بدافع تسجيل نقاط، بل انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحلول السياسية تبدأ من بناء الثقة، وأن الوساطة الفاعلة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالقدرة على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة. هذا الدور، الذي شمل تسهيل عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، حظي بإشادة مباشرة من الرئيس الروسي، في اعتراف سياسي نادر بأهمية الدور الإماراتي في ملف بالغ التعقيد.

سياسيًا، تنظر موسكو إلى الإمارات باعتبارها شريكًا يتمتع بهامش استقلالية واسع، وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة. هذا الموقع يمنح أبوظبي قدرة استثنائية على لعب دور الجسر بين العواصم المتخاصمة، في زمن تتآكل فيه قنوات التواصل التقليدية. ومن هنا، تكتسب زيارة موسكو بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية، لتلامس إعادة تنشيط قنوات الحوار في لحظة انسداد دولي.

اقتصاديًا، تشكل الزيارة امتدادًا لمسار متصاعد من التعاون التجاري والاستثماري. فالإمارات تُعد الشريك التجاري العربي الأبرز لروسيا، وتستضيف مئات الشركات الروسية، إلى جانب جالية روسية كبيرة أسهمت في تعزيز التبادل الاقتصادي والمالي. وعلى الرغم من أن حجم التبادل التجاري لا يزال دون الطموحات، إلا أن الإرادة السياسية لدى الطرفين واضحة لدفعه إلى مستويات تتناسب مع حجم الشراكة الاستراتيجية.

ويعكس الوفد الإماراتي المرافق لرئيس الدولة، والذي يضم شخصيات محورية في ملفات الاستثمار والطاقة، جدية التوجه نحو توسيع مجالات التعاون، لا سيما في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار طويل الأمد. وهي قطاعات تمثل ركيزة أساسية في رؤية الإمارات الاقتصادية، وتنسجم مع تطلعات موسكو في تنويع شراكاتها.

في المحصلة، لا تحمل زيارة محمد بن زايد إلى موسكو رسائل مواجهة، بل إشارات توازن. إنها دبلوماسية إماراتية تتحرك بهدوء في زمن الضجيج، وتراكم النفوذ عبر الثقة لا الاستقطاب، وتثبت أن الحضور المؤثر في السياسة الدولية لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على فتح النوافذ حين تُغلق الأبواب. وفي عالم يزداد اضطرابًا، تبدو هذه المقاربة أكثر واقعية، وأكثر حاجة من أي وقت مضى.

Related Posts