حين تصبح الإنسانية قراراً سيادياً: الإمارات في معركة إنقاذ السودان

بقلم :الدكتور عبد العزيز طارقجي

في خضم أزمات تتقاطع فيها الحرب مع الجوع، وتغيب فيها الإرادة الدولية خلف بيانات رسمية متكررة، برزت الإمارات كفاعل إنساني يتقدم الصفوف. هنا، لا نتحدث عن دولة مجرد طرف سياسي، بل عن دولة قررت أن تجعل من إنقاذ الإنسان أولوية سيادية، لا يمكن تأجيلها أو المساومة عليها. وفي السودان، حيث تحوّل النزاع إلى أزمة مركّبة تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، يظهر الدور الإماراتي كرسالة واضحة: الإنسانية ليست شعاراً، بل سياسة وعمل على الأرض.

المساعدات الإماراتية للسودان ليست مجرد أرقام أو منح عابرة. عند توقيع وكالة الإمارات للمساعدات الدولية اتفاقية تعاون مع برنامج الأغذية العالمي، وتقديم 20 مليون دولار لدعم المستفيدين من النزاع، لم يكن الهدف مجرد توزيع مساعدات، بل التعامل مع الأزمة بوعي كامل لما تعنيه المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية. ملايين المدنيين، ومعظمهم من الفئات الأكثر هشاشة، وجدوا في هذه الخطوة منقذاً مباشراً، لا مجرد تصريح إعلامي.

ما يميز هذه المقاربة أن الإمارات لم تحصر اهتمامها داخل حدود السودان فقط. النازحون في تشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا شملتهم أيضاً المساعدات، ما يعكس فهماً إنسانياً عملياً: الألم لا يتوقف عند الحدود، ولا يمكن لأي دولة تجاهله. هنا يظهر الطابع الاستراتيجي للعمل الإنساني الإماراتي، الذي يجمع بين المساعدة الفورية والرؤية الطويلة الأمد.

الأرقام تتحدث عن نفسها: 4.24 مليار دولار قدمتها الإمارات للسودان خلال العقد الماضي، منها 784 مليون دولار منذ اندلاع الحرب في 2023. لكنها ليست مجرد أرقام؛ إنها ترجمة لسياسة تراكمية، ثابتة، لم تتأثر بتذبذبات السياسة الدولية أو ببطء الاستجابة الدولية. إنها استمرارية في زمن غلبت فيه الأعذار على الفعل.

لكن القوة الحقيقية للدور الإماراتي ليست في المال وحده، بل في الدمج بين العمل الإنساني والاعتبارات السياسية. الدعوات المتكررة لفتح ممرات آمنة وتسهيل وصول المساعدات تشير إلى وعي عميق بأن حماية المدنيين شرط أساسي لأي حل مستدام، وأن السلام لا يمكن أن يُبنى على حساب الجوع أو الخوف.

وفي وقت تباينت فيه ردود الفعل الدولية، اختارت الإمارات أن تكون حاضرة على الأرض، لا على هامش الأحداث. شراكتها مع برنامج الأغذية العالمي لم تقتصر على التنسيق، بل كانت فعل تدخل حقيقي ينقذ الأرواح ويمنع انهيار الأمن الغذائي في واحدة من أخطر مناطق النزاع في العالم.

هكذا، يتضح الدور الإماراتي في السودان كفعل سيادي حقيقي، لا يطلب تصفيقاً، ولا ينتظر اعترافاً سياسياً. إنها معركة إنقاذ تُخاض على الأرض، بعقل الدولة ووجدان الإنسان، في زمن قلّت فيه الخيارات وكثرت فيه الأعذار. وفي قلب المأساة، اختارت الإمارات أن تكون مع الإنسان، لا على هامش الألم.

Related Posts