المياه استثمار إماراتي في خدمةالإنسانية

بقلم: خليل القاضي

لأن المياه هي العنصر الأساسي للحياة، ولأن الحضارات منذ فجر التاريخ تشكّلت حول الأنهار والينابيع، ولأن هذا المورد تحديداً بدأ يدخل منطقة الخطر تحت ضغط المناخ والنمو السكاني وسوء الإدارة، لم يعد التعامل معه ترفاً بيئياً أو شعاراً إنشائياً. صار السؤال مقلقاً وبسيطاً في آن: من يضمن الماء يضمن الاستقرار. من هنا، وانطلاقاً من رؤية قيادة الإمارات الاستشرافية، جاء التحرك.

لم تعد قضية المياه مسألة تقنية تُناقش في دوائر الخبراء فقط، بل تحولت إلى ملف سيادي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والغذائي وبالسلم الأهلي. أزمات المياه في أكثر من منطقة لم تعد احتمالات نظرية؛ إنها واقع يضغط على الحكومات ويغذي الهجرة ويعمّق الفجوات الاجتماعية. ومع تسارع آثار التغير المناخي واختلال أنماط الأمطار، تتجه دول كثيرة إلى إعادة تعريف أولوياتها التنموية، واضعةً الأمن المائي في مقدمة الحسابات.

في هذا السياق، أعلن صندوق أبوظبي للتنمية إطلاق “منصة أبوظبي العالمية للمياه”، في خطوة تعكس انتقالاً مدروساً من دعم المشاريع المتفرقة إلى بناء إطار تمويلي متكامل. الحديث عن حشد تمويلات تصل إلى ملياري دولار، مع تخصيص مليار دولار بين عامي 2026 و2030 لخدمة نحو عشرة ملايين مستفيد، لا يختصر أهمية المبادرة، لكنه يوضح حجم الرهان. المسألة ليست رقماً بقدر ما هي منهج عمل.

اللافت في المنصة أنها لا تعتمد صيغة واحدة للتمويل، بل تمزج بين أدوات متعددة: تمويل تنموي، تحفيز استثمارات القطاع الخاص، ضمانات، ومساهمات رأسمالية. هذا التنوع ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس فهماً لتجارب سابقة تعثرت لأنها راهنت على مصدر تمويل وحيد أو أغفلت عنصر الشراكة المحلية. المرونة هنا تعني قدرة أكبر على تكييف الحلول مع واقع كل دولة، سواء كانت تواجه نقصاً في البنية التحتية أو تحديات مؤسسية أو فجوة في الكفاءات.

سياسياً، يحمل المشروع بعداً يتجاوز التنمية المباشرة. فالمياه، في مناطق عديدة، كانت سبب توتر أكثر مما كانت مساحة تعاون. تحويلها إلى مجال شراكة واستثمار مشترك يندرج ضمن ما يمكن وصفه بالدبلوماسية التنموية. الإشارة التي وردت في موقف عبدالله بن زايد آل نهيان حول دعم الشراكات العالمية لتحقيق التنمية المستدامة تعكس هذا المنحى؛ فالتنمية هنا ليست فعلاً أحادياً، بل شبكة علاقات تتقاطع فيها المصالح والاستقرار.

اقتصادياً، تأتي المنصة منسجمة مع الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2036، ومع الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في ضمان استمراريتها. تجارب عديدة حول العالم أظهرت أن بناء محطة معالجة أو شبكة توزيع هو الجزء الأسهل؛ الأصعب هو إدارة التشغيل والصيانة، وتأمين الكفاءات، وربط المشروع بإصلاحات مؤسسية تمنع الهدر والفساد. من دون ذلك، قد تتحول المشاريع إلى أعباء مالية بدل أن تكون رافعة تنموية.

هنا تحديداً تبرز أهمية التركيز على نقل المعرفة ودعم البحث العلمي والمبادرات الشبابية، وهي عناصر أُشير إليها ضمن توجهات المنصة. الاستثمار في البنية التحتية من دون الاستثمار في الإنسان يظل ناقصاً. أما الجمع بين الاثنين فيفتح المجال أمام استدامة حقيقية، لا مجرد نتائج مرحلية.

رمزياً، يحمل المشروع دلالة واضحة. دولة واجهت تحديات الندرة في بيئة صحراوية، وراكمت خبرة في التحلية وإعادة الاستخدام وترشيد الاستهلاك، تسعى اليوم إلى توظيف هذه التجربة خارج حدودها. ليس من باب الترويج، بل انطلاقاً من قناعة بأن الأمن المائي لم يعد شأناً محلياً؛ أي خلل في منطقة ما يمكن أن ينعكس على الاستقرار الإقليمي والدولي.

في المحصلة، تعيد “منصة أبوظبي العالمية للمياه” طرح مفهوم الاستثمار نفسه. العائد لا يُقاس فقط بالمؤشرات المالية، بل بمدى قدرة المجتمعات على الوصول إلى مياه نظيفة وآمنة، وبما ينعكسه ذلك من صحة أفضل، وتعليم مستقر، ونمو اقتصادي أكثر توازناً. وبين الأرقام المعلنة والتحديات الواقعية، يتضح أن الرهان ليس سهلاً، لكنه رهان يستحق. فحين يصبح الماء أولوية استراتيجية، يكون الحديث في جوهره عن الإنسان ومستقبله، لا عن مورد فحسب.

Related Posts